الثلاثاء، 10 فبراير 2015


قبسات من الحنين

 

بقلم : حسين أحمد سليم


مجموعة خواطر قصيرة من وحي قريتي الريفية المسماة " النبي رشادي " تيمنا بمقام تاريخي قديم و مقدس, لآذ به الناس ليحميهم من غوائل الأيام ...


رغم النّأي القاهر ما زلت أحنّ بقوّة, إلى تلك القرية الرّيفيّة الحالمة, المتربّعة باطمئنان, على مرمى نظري, إلى الغرب من مدينة الشّمس بعلبك, و التي ترقب المدينة الأمّ بعين وامضة, تستمدّ منها العنفوان و الإباء, و تلتفت إلى الجبل الأعبل الأشمّ, صنّين من خلفها, تتنسم منه السّموّ و الإعتزاز... في تلك البقعة من وطني التّليد, حيث للرّشادي النّبي مقام, و لدت و درجت صبيا, و تعلمت فك الحرف في مدرستها الأولى... و منها قسرا, رحلت باكرا, إلى ضاحية بيروت الجنوبية, التي فيها شببت و ترعرعت و أحببت, و رنّمت بكر ترانيمي النثرية, و دندنت بكر دندناتي الشعرية, و في تلك البقعة, أدركت طور الرجولة, و اقترنت بقدريتي ...

أنا معلّق القلب بتلك القرية البقاعية, الوادعة على مرمى زقزقة العصافير من النّهر التاريخي, إلى الغرب من القلعة الأم, على مقربة من المدينة التاريخية الأسطورة... و التي يتّكئ صنّين بهامته الشّامخة على هضابها الغربية, تحيط بها القرى كالسّوار بالمعصم, كأنها نجمة تتلألأ في كوكبة فلكية هائمة في كبد السماء, يأنس الليل بها, و تأنس هي بمعالم البوح, تنهمر من وحيها, على قلبي لأترنّم بنثرها حينا, و أتغنّى بشعرها أحيانا, و أشكّلها لوحة فنّية تشكيليّة ...

إنّ أمواج الأثير الشّفيف, المنسابة في سماء قريتي الرّيفية, تتنهّد في حنين دائم, تنهدات لا تسمع في مكان آخر, و لا يتحسّسها إلاّ من عاش الحب في ربوع قريتي... و النّجوم تلمع في سماء قريتي المباركة لمعانا أبهى, لا يبصر لمعانها إلاّ من أصابه العشق في قريتي البقاعيّة... و لكويكبات الفصول في سماء قريتي تشكيل جميل, في الشّتاء و الرّبيع و الصّيف و الخريف... أمّا القرى القائمة حول قريتي دائريّا, و هي تشغل محورها, أدعى إلى الأنس و الطّمأنينة و الى الإغراق في التأمل و الإبحار في الأسرار... هيهات لو تدركين منها البعض يا صديقتي و حبيبتي ...
النّظم و الكتابة و الإبداع على ضوء القمر, في كنف قريتي البقاعيّة, أعذب إيحاءا, و أكثر إلهاما, و أجدى إبداعا, في مرحلة المخاض, أو الألم, الذي يعانيه الكاتب أو الأديب أو الشّاعر, من النّظم و الكتابة على ضوء المصباح الكهربائي... لذلك فأنا أحمل نفسي دوريا, إلى قريتي, أجول في شعابها و أزقّتها و دروبها, أر ود طرقاتها, أرقب بيوتها الترابية, أتنسم من لطيف هوائها, أتمرغ في رغام ترابها, أشتم عبير ورودها و أزهارها و نباتها, أبحر في امتدادات سهولها, أهيم في شموخ جبالها, أتزوّد من خيراتها, أحاكي أثيرها, أنتعش بنسيماتها, و أعود أكتب خواطري و كلماتي نثرا و شعرا ...

و أنا أفترش الأرض في قريتي الرّيفية, تحوطني الحواكير و الكروم و البيوت و الأشجار, و أشياء أخرى, و طيف حبيبتي القدرية... و أنا أتبارك بمقام رشادي النبي, أشخص بحنوٍ جامح إلى الشّرق, حيث مطلع الشّمس, من خلف الجبال الشّامخة, بالحصن التّاريخي لأجدادي, لأمتّع ناظري بالسّهل الأخضر الممتد إلى أبعد من النّهر التّاريخي... و أشخص بتمجّد و عنفوان و نهم إلى جلال الجبال في الغرب, التي تتّكئ على امتدادات أراضي أجدادي, تتوجها أشعة الشمس البازغة من الشرق, فتزداد إباء و شموخا... أو يلملم عنها الغروب, و شاح النّور الوردي, و الشّمس في مسارها تمضي... و كأنّي بالسّهل ولد و امتد معي كي آنس به... و كأنّي بالنّهر ما زال يفيض بالمياه جريا يلحق بي... و كأنّي بالحصن الشّرقي تهاوى ليقوم حصني بديلا تاريخيا... و كأنّي بأرض أجدادي تزداد عطاء بعطائي... و كأنّي بتلك الجبال العالية ولدت و كبرت معي ...

ولدت يا صديقتي و حبيبتي القدرية, مجبولا باللبنانية القرويّة الريفية البقاعية, و مضيت فخورا بمعالم قرويتي الطيبة, لا أحمل إلاّ المحبّة العظمى في جوارحي, و لا ينبض قلبي الصّغير إلاّ بالحب المقدّس, و لا أتحسّس إلاّ العنفوان في نفسي الكبيرة, و لا أستشعر إلاّ الإخلاص و التّفاني لوطني و قريتي و أهلي و حبيبتي... و لبنانيتي هذه تتجلّى في كلّ ناحية من نواحي حياتي, و قرويّتي تتجلّى في شخصيّتي و أخلاقي و مسلكي, كما تتجلى في ثقافتي, و تتجسّد في كتاباتي ...

أنا صريح و جريء بك يا صديقتي و حبيبتي القدريّة, أحمل الحقيقة المنشودة في وجداني و ضميري و شخصيتي, و أنا منفتح و متفهّم بك أيضا يا عروس خيالي, أحمل المعرفة و التّجدّد في ثقافتي, و أنا محافظ و حريص بك كذلك, على الوعي و المسؤوليّة في قناعاتي و مبادئي و عقائدي, و أنا طليق معك, بلا قيد يقيّد خطواتي إليك, حرّ في آرائي و أفكاري, و أنا مبحر معك, أغنّي آمالي و رؤاي, بلا عوائق, كنسر يجوب الفضاءات الممتدّة... و أنا يا حبيبتي, أحمل الصّفاء و النّقاء في نفسيّتي, كسماء قريتي الصاحيّة, التي لا تكاد تغيم و تبرق و ترعد, حتّى تعود إلى زرقتها و صفوها, مغسولة نقيّة جليّة كعينيك الهائم بهنّ ...

الاثنين، 9 فبراير 2015


ومَضاتُ الحُبّ و خفقاتُ العشِقْ

بقلم: حسين أحمد سليم

تتجلّى في الإمتداداتِ اللامتناهية ومضةُ حُبٍّ و خفقة عشقٍ من طيفِ حبيبٍ تلامعت كالبرقِ في الأفقِ, تكوّرت نُقطةَ إشراقٍ في سيّالاتٍ من الإيحاءاتِ, و أضاءت دياجيرَ المدى تتخافقُ كنجمةَ الصّبحِ... و راحت تتراقصُ مُتّكئةً على حبالِ إشعاعاتها, المُتعارجةُ في الخيطِ الفضيِّ الممتدِّ بينَ الأرضِ و السَّماءِ... تتماددُ ضبابيّةً و تدورُ على محورِ المستقيمِ الصّاعدِ في قُبّةِ السّماءِ, و تتهادى في سكينةٍ لتنتشرَ بُقعةَ ضوءٍ زرقاءَ بعيدةً, تتفاضضُ شفافيّةً في وهجِ الإشراقاتِ اللامعاتِ, و تغورُ بعيداً في لا متناهياتِ الكونِ خلفَ حدودِ سِعاتِ التّفكّرِ, و تعودُ فجأةً لتتمازجَ أدخنتها وتنسابُ على هيئةِ مشهديّةٍ من جماليّاتِ التّكوينِ... كأنّما شكّلتها أناملُ يدٍ حانيةً بالدّفء الفنّيِّ مُفترّةَ الدّماءِ, لتغدو تتماهى عنفواناً قدريّاً بألوانِ الأرجوانِ في لوحةِ الشّفقِ, ترميزَ تجريديّاتٍ من إلهاماتِ فلسفةِ الرّؤى في الوجدانِ, تتناهى للخواطرِ و تنسكبُ في لوحاتٍ سورياليّةِ الآمالِ المرتجاةِ... ترفلُ لها العينُ المكحولةُ بغباريّات الكحلِ العربيِّ الشّرقيِّ, من طرفِ قلمِ الميلِ المُثملِ من دنِّ المُكحلةِ الحُبلى بأجنّةِ الحُبِّ و غباريات العشقِ...


تهاتفنا شفافيّة في غفلةٍ من رقابةِ خفرِ السّواحلِ و مرافيء القنديل الأزرقِ, بلا هاتفٍ رقميِّ عبر ثنايا أثير التّخاطرِ في البعد الرّوحيّ, نُمارسُ لعبةَ الإنفلاتِ تحرّراً من التّجسّسِ المُقوننِ في نُظمِ البلادِ, فتراءت لنا من كوّةِ الإمتداداتِ موسقاتُ الصّدى في البعدِ, تراديدٌ من ترانيمِ العشقِ و الحبّ في لعبةِ جرّاتِ الوترِ الأوحدِ على الوترِ العاشقِ... فتهايمت النّفوسُ في برزخِ الذّاتِ, تُنشدُ الوصالَ في تشاغفِ القلوبِ, و تتشوّقُ الأحاسيسُ في كُنهِ المشاعرِ الشّفيفةِ المُطمئنّةُ في سكناتها, و تتراعشُ الأرواحُ التي تُمارسُ الهجودَ هجوعاً في ضجعةِ الكهوفِ الأبديِّةِ... فتتسارعُ إهتزازاتُ خفقاتِ القلوبِ النّابضةِ قدراً بأسرارِ موسقات الحياةِ, فتدبُّ الإنتعاشاتُ الرّوحيّةُ في أنساغ البراعمِ و تتفتّقُ بالحياةِ, فإذا ما تفتّحت الأكمامُ بالأوراقِ و الأزهارِ و الورودِ, و تهاببت أنسامُ الأثير السّندسِ في رقّةِ الحرائرِ, تطايرت قدرا غباريّاتُ اللواقحِ بينَ مياسمِ العشّاقِ, فتحبلُ الأرحامُ مودّةً و رحمةً من لدنِ الله بالآمالِ المرتجاةِ, لتأتي أجنّةُ الغدِ على قدرِ رؤى الآمالِ في فلسفة الحبّ و منطق العشقِ...


تلاقينا تشاغفًا و توجّدًا بعدَ ضياعٍ في متاهاتِ نُقطةِ اللقاءِ, فأرقامُ الرّبطِ و التّحديدِ لم تتطابقُ في هندسةِ الميدانِ, كُلٌّ يتكلّمُ بلسانهِ في لغةِ شاءها للتّواصلِ... فإذا ما تزاوجت حروفيّاتُ الأبجديّاتِ في عناصرِ التّكوينِ, توالدت لغةً مُبتكرةً بوشاحٍ جديدٍ ترتاحُ لها الأطرافُ, و تباسطت في المدى المنظورِ لغةُ الحوارِ, و تصاعدَ الدّخانُ الأبيضُ في السّماءِ ناصعاً من أعمدةِ المداخنِ, دليلَ توافقٍ على رؤى الآمالِ في تحقيقِ الأوطارِ...


تجالسنا مُتقابلينَ على أريكةِ التّعارفِ, نُنشدُ تحقيقَ أوطار المُحاكاةِ بالخواطرِ, نتحادثُ في شؤونٍ كثيرةٍ لم و لن و لا علاقةَ لها بالأهدافِ, و وجوهنا تكتظُّ بالدّماءِ و تزدادُ احمراراً من الحياءِ... نتسارقُ النّظراتَ الحانيةَ في خِلسةٍ من عيونِ الرّقايةِ, و تُرعبنا زفراتُ الهمهماتِ على غيرِ بُعدٍ من خلوتنا, فنعودُ رغماً عن رؤانا للنّقاشِ في المواضيعِ السّرابِ...


تحاببت عيوننا بالنّظراتِ, و تعاشقت قلوبنا بالتّشاغفِ, و تهايمت أنفسنا بالعشقِ, و لم نتوافق بالحوارِ على اتّفاقٍ, و بقيتِ الأمورَ تتسابحُ بينَ مدٍّ و جزرٍ تُصارعُ عواتيَ الأمواجِ... لم ندرِ كيفَ غفونا و العيونُ جاحظةٌ, تتكاحلُ بسحرِ الجمالِ في فتنةِ اللقاءِ... فتعانقنا طويلاً حتّى تلظّت حرارةُ العناقِ في الصّدورِ, و تلاثمنا كثيراً بالشّفاهِ المكتظّة بالإشتياقِ حتّى احترقت لمى الشّفاه بجمارِ القُبلِ...
و ما نكاد نستيقظ من غفوتنا حتّى نرتحل نشوةً على صهوات القبل بغفوة أخرى, كأننا في سباقٍ مع غفواتِ أهل الكهفِ...

الأحد، 8 فبراير 2015


تَصَوّفُ الحُبّْ في صَوْمَعَةِ العُشّاقِ

بقلم: حسين أحمد سليم

قدرًا فلسَفيَا موْروثًا من حِقبِ الأمسِ البعيدِ, حملتُ وَعْدَ الوعدِ أمانةً لها مُنمنمُ الرّقشِ, عهداً واعِدًا لمصداقيّتي في شفافيّةِ العِشقِ, و قسمًا غليظًا و إطمئنانًا بالذّكرِ في يومِ الحُبِّ الأقدسِ, فافترَّ مبسمها و أشرقَ وجهها بفيضٍ من النّورِ, فأوحتْ لي بما أوحتْ من الإيحاءاتِ, فخالجتني رّؤى العشقِ الأطهر في البعدِ, فتمرّد يراعي على الكتمانِ, و راح يرتشِفُ المدادَ من محبرةِ الوِجدانِ و يتماهى عنوةَ قهرٍ بوحاً بفضحِ أسراري في الحُبِّ في عيدِ العُشَّاقِ و ومض نجمة الحبِّ في فضاءاتِ خيالي الممتدِّ...

شاءَ الله بما شاءَ مشيئة تتجلّى وامضةً في البعدِ المأمولِ, فإلتقيتكِ حبيبتي القدريّة, تشاغفاً في حنايا الإشتياقِ لطيبِ اللقاءِ بعدَ نأيٍ, تُشرقُ رؤى الآمالِ هبةَ اللهِ نجمةً من هلال العُمَرِ تُناصرُ العِشقَ في امتداداتِ الحياةِ, فأنمنمُ لوحةَ العشقِ رقشاً عربيّاً شرقيّاً أصيلاً, إيماناً روحيّاً من وحيِ رؤى التّزويقِ و التّأنّقِ و التّرقينِ و التّزيينِ عبرَ حِقبِ التّاريخِ, مِمّا أحملُ في البعدِ المكنونِ بخفايا الوجدانِ و قلبنة العقلِ و عقلنة القلبِ من فلسفةِ أسرار الإبداعِ و الإبتكارِ...


قدرًا آخر يتراءى لي هلال الليلِ يحتضن نجمة الفجر, فيُراودني البوحُ وميضَ مُحاكاةٍ بالحبِّ الشّفيفِ كارزاً بالعشقِ في أذنِ المدى, مِصداقيّةُ الوعدِ الذي قطعتُ لكِ في توكيدِ العهدِ الذي عاهدتكِ بهِ ذاتَ يومٍ... ها هوذا السّرُّ الدّفينُ في دواخلِ الحنايا يتهيّأُ عنفواناً ليتماهى رافلا بالجمالِ, فمهلاً حبيبتي العاشقةَ للفنونِ التّخطيطيّةِ, ففي هدأة السّكينةِ بعيداً عن الضّوضاءِ تُولدُ إيحاءاتُ الخلقِ والإبداعِ, بينَ هجودِ النّفسِ في غربتها القدريّةِ و هجوعَ الكينونةِ في رميمِ ضجعتها في رحابِ رهبةِ الموتِ و رعشةِ الحياةِ...


خفقُ الذّاتِ تماذجًا بعفق الوعي الباطنيّ, تفرّستُ عشقاً شفيفاً في الوجهَ الكلثوميَّ الإستدارةِ بياضاً, المشرقُ حياءَ أنوثةٍ في سيّالاتٍ من النّورِ برواقِ صومعةِ الحبَّ, و كلُّ الأشياءَ خاشعةً في سجودها تبتهلُ تهجّداً للهِ, و طيفكِ يستنيرُ وضّاءاً ببريقِ الأملِ المرتجى الوامضِ في البعدِ, تُحيطُ بهِ هالةُ من أطيافِ العشقِ تُحاكي الحلمَ الذّهبيَّ في مطاوي الخيالاتِ...

 

تتجلّة في البعد ومضات رؤى فلسفةٍ في قناعةِ ثقافةِ العرفانِ الذّاتيِّ و قبساتِ الوعي الباطنيِّ, فعقلنةُ القلبَ في تنظيمِ أحاسيسهِ مواكبةً لتكاليفهِ التي يتموسقُ بها, و قلبنةُ العقلَ في رِقّةِ تفكّرهِ مُحاكاةً لرؤى التّوقّعاتِ التي يتخالجُ بها, مدخلاً إنسيابيّاً لولوجِ الفراديسِ الموشّاةِ بلينوفار الحقيقةِ, لتتحقّقَ مُخطّطاتُ الغدِ المأمولِ بالخلقِ و الإبداعِ في رؤى الإبتكارِ المُتفتّقِ من الرّحمةِ و الموّدّةِ...


إرتياحُ النّفسِ الإنسانيّةِ الأمّارةُ بكلَّ الأشياءِ بين لا متناهياتِ الإيجابِ و السّلبِ, إنعكاسُ النّجاحاتِ في تحقيقِ الآمالِ التي تُحاكي طموحاتَ الذّاتِ... إبحاراً قدريّاً في استنباطِ الأحكامِ من قراءاتِ التّأويلِ و التّفسيرِ, تهونُ كلُّ الأشياءَ و تلينُ رِقّةً إذا ما نضجتْ ثمارُ إقترانَ الحُبِّ بالحُبِّ تحتَ كساءِ الرّحمةِ و المودّةِ, ليتماهى العِشقُ الرّوحيُّ هياماً في فضاءاتِ النّفسِ التّوّاقةَ للتّقوى و العبادةِ في أرحبةِ الحياةِ, ينبثقُ من نتاجاتِ البذلِ و العطاءِ في رحلاتِ الإستمرارِ المتعاقبةِ بين الأطوارِ و الأدوارِ و الأكوارِ, فتتكاملُ منظومةُ العيشِ في حركةِ التّمازجِ بين رؤى الفكرِ المتحرّرِ و أحاسيسِ القلبِ النّبيلةِ, و يتحقّقُ الإنسجامُ بتكاملِ عناصرَ الأشياءِ لولادةِ سيمفونيّةِ الوجودِ, تعزفها الرّوح على الأوتار الأثيريّة في حركةِ فعلِ الإنعتاقِ من قيودِ التّرابِ...


قُبلةُ الخدِّ المُضرّجِ باللونِ الورديَّ المجلوِّ كالعروسِ في أزهارِ بلادي, أثارتْ قشعريرةَ دِفءٍ افترّتْ بهِ الشّغافُ في القلبِ العاشقِ, فالتهبتْ لمى الشّفاه السّمرِ في جمرِ التّشاغفِ و اكتظّتْ بلظى الإشتياقِ, و راحتْ تتكوّى لذاذةً بقبلةٍ أخرى و تنتعشُ حريقاً مُتّقداً في جمرِ لمى الشّفاهِ, كأنّ أسطورةَ الفينيق عنقاءَ شرقيّةً تتوالدُ رُخّاً عنفوانيّاً بالقبلِ الجمريّة من لهيبِ لمى الشّفاهِ... قد تحقّقَ الوعدُ الصّادقُ بيننا حبيبتي أمانةً بقداسةِ العهدِ المسؤولِ في النّاموسِ, و توكيدَ حُبٍّ خالصٍ و عشقٍ مُتعاظمٍ لقبلةِ الصّدرِ العامرِ بالنّهدِ النّاهدِ للكاعبِ الحسناءِ... فتتأوّهُ حبيبتي هياماً مُجنّحاً بحمّى القبلةِ و تغنُجُ حياءاً في دلع الأنوثةِ... تصرُخُ هيامًا... لبّيكَ حبيبي...


السبت، 7 فبراير 2015


حضارة قريتي

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

و أنا أمارس حياتي بإطمئنان و قناعة في قريتي الإفتراضيّة التي تتراءى لي في البعد الآتِ أو تلك القرية الحقيقيّة التي تتربّع جغرافيّا في أرحبة وطني التّليد... أشعر بأنّني في تكامل لا شائبة له و به مع الأرض, و تنتابني المشاعر العارمة بالنّبل و التّسامي و الطّافحة بكلّ الأحاسيس الأرقى بأنّني على موعد دائم مع الأبديّة... أمّا أقداري القاهرة التي حملتني قهرًا على قهرٍ و كرهًا على كرهٍ و عنوةً من نوع آخر و رمت بي في متاهات المدينة التي أخذتني إليها تلك الأقدار التي فرضت ذاتها على مساراتي في المكان و الزّمان لأشعر بغربة الغربة و ضياع الضّياع في متاهات منفى المنفى, و ليس يجري هذا بي لعدم إستيعابي لواقع المدينة المختلط و التي سكنتها رغمًا عن إرادتي أو لعدم وعيي لعصرنة المدينة و ما فيها من تجدّد مستمرّ في كلّ شيء حتّى في العلاقات, و إنّما لأنّ ما وُلدتُ عليه و نشأت في رحابه و رضعته مع حليب أمّي يجعلني قنوعًا و محافظًا بقوّة على مناحي إلتزاماتي بأصولي العقائديّة و الفكريّة و الأخلاقيّة و الماديّة و التي ظلّت أمينة هي و مؤتمنة على حفظ حياتي القرويّة و الرّيفيّة و الفلاّحيّة...

 

لذلك تراني في كلّ تفاصيل حياتي في أرحبة المدينة مشدودًا إلى التّقاليد و الأعراف و الأصول و الأطعمة الشّعبيّة و القرويّة المرتبطة بالأرض و مهنة الزّرع و الفلاحة و البذار, بحيث حافظت على جذوري و أنا أصارع زيف العصرنة و ظللت في حركة فعل نفاقات و مراآت المدينة قرويّاً ريفيا بكلّ شيء, و كنت أحسّ أنّ الأرض التي أسير عليها في أرحبة المدينة لا تعني لي شيئًا بكلّ ما فيها و عليها, لأنّ السّماء في قريتي الرّيفيّة تختلف عن كلّ السّماوات الأخرى, إنّها تحتضن قريتي الرّيفيّة في بقاع محيط مدينة بعلبك من جميع أطرافها, و لذلك كنت أعتقد بما لا يقبل الشّكّ أنّ السّماء قريبة جدًاً من قمّة جبل الوليّ أحمد الطّائع شفيع قريتي الحدثيّة و المتناغم في الحبّ و العشق مع مقام النّبي رشادة, و دائمًا كان يراودني التّفكّر بأنّني أستطيع أن ألامس سماء بلدتي من تلك القمّة الشّمّاء حيث بقايا مقام الوليّ الطّائع, و كنت أعتقد و ما زلت على إعتقادي من أنّ السّماء تسمع دندنات قلبي و ترانيم نفسي و تجاويد روحي و موسقات همساتي و أنا أختلي بنفسي في رحاب مقام و مسجد النّبي رشادي, أناجي بقايا آثار الوليّ الطّائع غربًا و مقامات و مزارات الخضر الأخضر شرقًا في بلدة الخضر و بلدة حورتعلا و جنوبًا في بلدة كفردبش و مقام النّبي يوسف شمالاً في كفردان, إنّ قبّة السّماء الزّرقاء هي عباءة كبرى  تحمي قريتي الخضراء و أهلها الكرماء كما كرم الأرض و النّهر الليطانيّ المنفجر من نبع العلاّق و يسيل مترنّما في أرجاء وادي البقاع اللبناني...

 

وفق معايير فلسفتي في إستقراءات الجمال, ليس هناك في الكينونة التي تتجلّى فيها عظمة الخالق فيما خلق و أبدع مكان قبيح أو مكان جميل أو آخر رماديّ التّفضيل خارج الوجدان الإنساني, فجماليّة الأشياء تتراءى للبصر شيئًا و للبصيرة شيئًا آخر و تنحفر و تسطع في الوجدان البشريّ عبر تجارب الحياة نفسها... و أنا ككاتب و فنّان تشكيلي لست أملك القوّة المطلوبة على تطويع قلبي و إكراهه على الحبّ الإفتراضيّ أو العشق الخياليّ إنّما هو من يُروّضني على ما يهوى قلبنة و عقلنة وجدانيّة, حيث أرى من منظوري الجماليّ أنّ أجمل ما في الدّنيا هي قريتي الرّيفيّة لأنّني في عقلي الجماليّ الباطنيّ هكذا رأيتها تتماهى جمالاً في كلّ مشهديّاتها و أمكنتها و سهولها و بيوتها و أشجارها و ناسها و طيورها و فراشاتها و مشمشها و عنبها و كرزها و خوخها و مسجدها و مقام نبيّها الرّشاديّ...

 

كلّما مارست الوحدة راحة لنفسي و إنعتاقًا من ربقاتها و من أوامرها الكثيفة على كاهلي الضّعيف لأمارس التّجلّي في هدأة سكينتي و خلوت لنفسي في هجعة ضجعتي تتكوكب النّقطة الإشراقيّة أمام بصري لتنير بصيرتي في فلسفة الإبداع الذي لا يتحقّق خارج منظومة قداسة الحبّ و وضوح الحلم و توكيد الموهبة و حركة فعل التّجربة المبدعة... لتدخل كلّ الإفتراضيات القدريّة في ثنايا الوعي الوجداني و ذاكرة الذّات الممتلئة بالأسرار التي تنمو في خفاياها الصّور و المشهديّات تترافق بنموّها كلّما نما الحلم في المكان و الزّمان وعدًا و عهدًا و قسمًا...

 

أرض قريتي الرّيفيّة البعلبكيّة البقاعيّة, تلك النّجمة القدريّة التي تتماهى كوكبة في شريط هلال قرى و بلدات غربي بعلبك مدينة الشّمس, هي التي نسجت لي في البعد المأمول بالنّجاح تفاصيل أحلامي و أمالي المرتجاة, و سماء قريتي هي السّماء الأولى التي سكبت في أعماقي كلّ ما فيها من أنوار و إمتداد و حنين و إشراقات و إبداعات, و حبّي الأسطوريّ لقريتي جعلني أعشق كلّ ما في قريتي من مشهديّات و لوحات, رغم نأي المسافات التي باعدت بيني و بين قريتي نزولاً عند قهر الأيّام, أرزح تحت ظلامات قاهرة أرخت بكلّ كلكلها على كاهلي السّقيم... و رغم البعد و المسافات الممتدّة فأنا قريب من قريتي و أقرب ممّا لو كنت أسكن فيها, و الفراق الذي أعيش عذاباته يظهر في نفسي التّائهة العواطف المطمورة في أعماق صدري, و يجعلني أرى الأشياء في قريتي بشكل آخر و مختلف...

 

و أنا في البعد الجغرافيّ شكّلت لقريتي تمثالاً يُضاهي كلّ الأنصاب بمجموعها, لأتبارك به كلّما هاج الشّوق في صدري لقريتي, و غالبًا ما كنت أحسّ أنّ نهر الليطاني شرقي قريتي ينبع من قلبي و يسيل من شراييني و عروقي, و أنّ أشجار السّنديان المعمّرة غربي قريتي و التي تحرس ما تبقّى من موروثات الماضي تحرسني في بعدي عن قريتي, لأنّها كانت و تبقى و ستبقى شديدة التّفاؤل بي و تسير إليّ لتنقل لي همس السّاحرات اللواتي يكشفن النّقاب عن أسرار المستقبل, و أنّني مهما نأى بي قدري بعدًا جغرافيّا سأعود إلى تراب قريتي ذات يوم, و أنّ الحياة التي شاءها الله لي و غيري لا بدّ أن تكون عادلة ذات يوم مهما ظلمتني و ظلمني أبناء قريتي... فلقريتي الرّيفيّة جمالها و ميزتها عن باقي القرى في البقاع و من يزور قريتي يشعر أنّه و الشّمس و الأشجار و النّجوم و النّاس و الأشياء غارقون في السّعادة, و لأنّ القلب يترنّم حبورًا و سرورًا و فرحًا و يضحك في رحاب قريتي حتّى في ساعة الموت و فترات الأحزان...

 

عندما تخلو الحياة من شريط الذّكريات تصبح خاوية و خالية و بلا معنى و تفقد قدرتها على حركة فعل الجذب و البناء, و تصبح جثّة هامدة بلا روح... و الحياة بلا طفولة تغدو جامدة و يابسة كالأخشاب, و الطّفولة البريئة هي حنين العقل البشريّ المقلبن إلى إكتشاف الخفايا في أدغال القلب... و عودتي إلى قريتي يومًا تعني العودة إلى أروقة الحبّ و العشق و الإيثار و الإنتصار و الحياة و الإنصهار في مجتمع قريتي الرّيفيّ...

 

كلّ ما أكتب ما هو إلاّ تفعيلاً للرّوح و الذّاتِ من أجل الحياة في قريتي النّائية, و الكتابة عن قريتي الرّيفيّة هي محاولة للعودة إلى زمن الطّفولة و البراءة و الشّفافيّة في التّعامل بلا نوايا أخرى, و بلا خجل دونيّ ينتابنا كصدى للرّغبات الحمراء المكبوتة لأنّ الخجل القرويّ يتسامى رفعة و خلقًا عظيمًا عن كلّ الدّونيات...

 

في قريتي يتماسك النّاس في المحن و الشّدائد, سيّما عندما يحلّ موت في بيت ما فيتقاسمون المعزّون و أهل العزاء الفعل اللازم... و مجتمع قريتي الزّراعيّ يعتمد على كرم الأرض التي تُطعمنا اللقمة الحلال التي تولّد فينا ميلاً للعبادة الشّفيفة بلا مذاهب و بلا طوائف, و الأرض لنا هي بمنزلة الأمّ و الأب... و الكلّ يعمل من أجل نفس الخبز و نفس الحلم, و الليالي الماطرة هي تشكيلات أعراس و فرح للجميع... و في قريتي تتوثّق الرّوابط فيما بين أهلها بحيث الأسرة كلّها تأكل في صحن واحد, و أحياناً يتناوبون الملعقة الخشبية الواحدة...

 

بيوت قريتي الفقيرة و المتراصّة تنام على رؤى العشق و تغفو على قداسة الحبّ, و تصحو على طهارة الحبّ, و الأزقّة الطّينيّة تذكّرك بأنّ السّماء ليست بخيلة.... و الرّعاة يلاحقون العشب و الشّمس من الجبال إلى الجبال. و المنجارة حين ينبعث أنينها تملأ الأرواح قبل المنحدرات و الأودية... و يتفاهمون عبر الأودية, و يتحادثون من واد لواد, و كأنّهم على مائدة واحدة. كانوا يعرفون أشجار الأحراش شجرة شجرة, و يستطيعون السّير في الجبال و المراعي و هم مغمضو العيون, لشدّة معرفتهم بها و كانوا يعرفون مراتب المطر, و متى يسحّ مدراراً, و متى يأتي رذاذاً, كلابهم تفهم أوامرهم بسهولة, و هم لا يقسون مع كلابهم أبداً, يطعمونهم ممّا يأكلون بكرم و سخاء, لأنّهم يفتقدونهم في الليلة الظّلماء, و في المراعي البعيدة, و الذّئاب ترصد خطأ لتنقض على القطيع....

الخميس، 5 فبراير 2015


الموت و القبور

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

مات جدّي لأبي, قدرًا بين يديّ لحكمة ربّانيّة أجهلها, عن عمر جاوز الماية سنة أو أكثر بقليل, و ما زالت آثار حالة موته المفاجئة ماثلة أمامي حيّة, كأنّها حدثت البارحة للتّوّ, تتفاعل و تتزايد في خفايا أعماقي و تثير دفائن أحاسيسي و تُحرّك طوايا مشاعري, و غالبا ما أنزوي في وحدتي يُخالجني البكاء بعيدا عن الأعين الفضوليّة...

و لا زلت منذ ذلك الوقت و حتّى الآن, أتذكّر ذلك المشهد المهيب, الذي خيّم الموت فيه بدارنا عنوة في غفلة عن أمرنا, و حلِيَ له السّكن الموقوت في رحاب بيتنا ليحمل جدّي إلى عالم آخر غير عالمنا المحسوس هذا...

و كان الوقت بعد صلاة العشاء تقريبا, في ذلك الفصل الخريفيّ الكئيب, و كانت الغرفة مظلمة بسبب إنقطاع الكهرباء المزاجيّ, و على إرتعاشات و تذبذب الضّوء الخافت, المتراقص ذات اليمين و ذات اليسار, لفتيل القنديل العتيق الموروث من حقب الأمس... في تلك الغرفة المليئة بالأسرار و الحكايا, إجتمع الكثير من الجيران بلباسهم الأسود و الحزن بادٍ على و جوههم, و كانت جدّتي تلطم وجهها و صدرها و ركبتيها و تصرخ و تولول و تضع "الشّحار" على وجهها, لقد مات شيخ القبيلة و زعيم العشيرة و حامي مكانتها من الآخرين...

لقد كان مشهدًا مُخيفًا و مرعبًا, لم أرَ له مثيلا فيما مضى من عمري, بحيث تراءى لي مذهولاً و مفجوعا بموت جدّي الذي كان يُحبّني و يلاعبني دائما و يعلّمني الكثير من خبراته في الحياة, لقد تراءى لي أنّ جدّتي كانت ثكلى بجدّي أكثر من الخنساء بأخيها, تلك التي أتى التّاريخ السّالف على ذكرها...

و كان جدّي و هو ميّت يتّشح بلباسه القرويّ التّقليديّ, مُمدّدا على فراشه فوق سرير من الحديد و تحت رأسه وسادته المطرّزة بالخيوط الملوّنة, يُغطّيه لحاف من القطن و شرشف باهت الألوان مُخصّص لمثل هذه الحالة, و هو جاحظ العينين فاغر الفمّ لا حركة فيه, بارد الجثمان يابس الأطراف كأنّه كتلة واحدة جامدة, أدارت جدّتي سريره ليتطابق و إتّجاه القبلة وِفق التّقاليد الدّينيّة السّائدة في عقيدتنا السّمحاء...  

ليلة مات جدّي لأبي, كنت صغيرًا و لم أستطع في وقتها تحمّل المشهد, أتذكّر يومها أنّني إرتحلت في غيبوبة فجائيّة و خاطفة, و وقعت على الأرض مُغمى عليّ و ما كِدت أستفيق حتّى بدأت أتقيّأ, و غدت حالة التّقيّؤ تلك تلازمني في حالات التّوتّر العصبي الشّديد منذ ذلك اليوم, و أذكر أيضًا أنّني أصبت يومها بمغص شديد في جوفي و تقلّص في عضلات صدري, فحملتني أمّي إلى بيتنا القريب من بيت جدّي, و أنا في حالة نفسيّة يُرثى لها و في حالة جسديّة مرتفعة الحرارة, لشدّة تأثّري بموت جدّي... و أذكر أنّني بقيت لفترة زمنيّة طويلة تجاوزت السّنة, يسكنني القلق و الإضطّراب و التّوتّر و الخوف و لم أستطع النّوم خلال تلك المدّة إلاّ قليلاً, و كانت الكوابيس تجتاحني و تسكنني و أضغاث الأحلام المرعبة لا تبارحني في يقظتي و لا في غفوتي, فأنتفض مرعوبًا من هدأتي و نومي, و أجفل من كلّ الأشياء لأدنى حركة أو صوت كغرائب الإبل و الغزلان, و ينتابني ذعر شديد لا أستطيع ترجمته في كلمات عاديّة, و كان يتراءى لي الكثير من الأشباح المفزعة و الأرواح التي تتشكّل أمامي بأشكال و مشهديات لا عهد لي بها, و كنت أرى الكثير من الحالات ممّا يزيد في رعبي عندما أغفو لدقائق في نومي, كنت أرى قبوراً في مقبرة قريتي تمشي بمن فيها و أخرى مكشوفة عمّا في جوفها و النّيران تتلظّى بمحتوياتها و يتصاعد منها دخان عميق و كثيف, و أحياناً كنت أرى جماجم بشريّة تخرج منها ثعابين سوداء و أفاعي رقطاء, و أرى حول القبور نساءً من قريتي متّشحات بالسّواد تصرخ و تستغيث و كلّهنّ على شاكلة جدّتي و مصابها, و كنت أرى عبيدا سودًا غلاظاً شداداً, لا يعصون الموت ما أمرهم به, لهم أنياب طويلة و قرون كبيرة , وسحنتهم الشّديدة, توحى إليّ أنّها سحنة أهل جهنّم, و كنت أصرخ في نومي و يُصيبني الرّوباص و أتشبثّ بظهر والدي ليجيرني من زبانية النّار المستعرة, و تهرع أمّي إليّ باكية و هي تحمل بيدها "طاسة الرّعبة" و تضعها فوق رأسي و تتلو فوقها تعاويذ و أراجيز و رقى مختلفة, لأنّ أمّي تجيد قراءة لغة عفاريت و أبجديّة الجنّ و طلاسم المردة, و كانت طاسة الرّعبة تهدّئني قليلاً لأنّي كنت أؤمن بها إيماناً راسخاً, و كنت أؤمن أنّ طلاسمها المحفورة عليها تحوي علوم الأوّلين و الآخرين...

الموت في قريتي الرّيفيّة يومها كان مرعباً و مخيفا, لأنّه كان نادراً على ذِمّةِ جدّتي, و لأنّه مرتبط بعذاب القبر, و لأنّه سفر طويل لا أوبة منه, و كنت أتساءل في خلدي هل الموتى يزور بعضهم بعضاً؟ و هل يتصالح هناك الذين إختلفوا على حطام الدّنيا... و كان أهل القرية يتناقلون أخبار القبور و ما يجري فيها في الليالي الثّلاث الأولى حيث يأتي "منكر و نكير" و يوقظان الميّت من هجعة موته و ضجعته, و تبدأ الأسئلة: من ربّك؟ و من نبيّك؟ و ما هو دينك؟ و ما كتابك؟ و ماذا فعلت في حياة الدّنيا؟ و الويل لمن لايجيب جواباً صحيحاً و صادقًا, حيث ستمزّق جلده السّياط الغليظة, و تنغرز في جسمه الأنياب الحادّة, و إذا كان الميت سيّئاً بأعماله فسيجد إلى جواره حنشاً أسود, له أنياب يقطر منها السّمّ, و تشرقط عيناه و تقدح بالنّار, و يروي أهل القرية أنّ بعضهم رأى ناراً و دخاناً تتصاعد من قبر فلان بن فلان لأنّه سرق زيتاً من مسرجة النّبي رشادة أو سراج الخضر الأخضر أو قنديل النّبي يوسف, أو شموع النّبي سامي أو النّبي إسماعيل أو النّبي نجّوم أو النّبي زبدة أو لأنّه شتم أحد الأولياء الصّالحين...

كان الموت في القرية درساً حقيقيّاً للوعظ و الإرشاد و خلع المعاصي و ترك الشّرور, كنّا بعد كلّ موت نستقيم في كلّ شيء لفترة, ثمّ يُوسوس لنا الشّيطان و ننزلق رويداً رويدا, إلى أن وصلنا لحالة فقد الموت حكمته فينا و صار عاديّاً كالحياة نفسها...

الأربعاء، 4 فبراير 2015


النّقطة الإشراقيّة

نثيرة وجدانيّة

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

نقطة... لقاء الحبّ بالحبّ, و العشق بالعشق,
في البدء... نقطة, النّقطة الإشراقيّة,
جئت من اللقاء, من رحم اللقاء,
ساكنة... صامتة, هادئة,
تعمّ المدى... أبديّة الصّدى...

الأرض في البعد الكونيّ... نقطة إشراقيّة,
تتناغم بالصّمت... تترنّم بالسّكينة,
صوتك... الكارز بالحبّ و العشق,
يملأ صدري مودّة... ينعش قلبي رحمة,
يملأ راحتيّ إطمئنانًا... يغشى عينيّ كحلاً,
أريجا فوّاحا ينتشر في كلّ مكان,
ينساب متهاديا, من وراء الزّمن...

الورود في وطني و الأزهار...
تزهر بالعطر, و شذي الطّيب,

على أكمامها, تشرق بالطّلّ مع كلّ صباح,
تتألّق فوق وريقاتها حبّات النّدى,
تسكر... تثمل من فوح العبير,
يتشذّى الرّيحان و الغار و ضوع الطّيب,
و العرعر و الشّربين و السّرو و الأرز...

وطني الكبير, يتماهى بالحبّ و العشق,
من حدود الماء إلى حدود الماء,
عند مجمع البحرين يُنشد اللقاء,

خضر آخر و موسى آخر و نقطة إشراقيّة...

لغة الضّاد... بوح لساني, منذ البدء,
موطن الأرز... مولدي و حجر الحبلى,
هويّتي عروبتي في فلسفة النّقطة الإشراقيّة...
اللقاء الكبير... كان هناك,
لقاء العشق بالعشق و الحبّ بالحبّ,
و الأريج الأطيب في ربى وطني...

ما حججت مكّة... قهرا زمنيّا,
لم يحالفني الحظّ؟!...
أيمنعني قسرا هذا الفناء؟!...
في هذه الأرض...
لا و ألف لا!!!
تأتيني مكّة العشق, بحكم الحبّ...
تحجّ في قلبي, و تطوف بي و تشوط,
و يكتب الوجود, اللقاء الكبير,
في تاريخ الخلد...

لقاء الحبّ, روحيّ اللقاء...
عروج آخر بين العشق والعشق,
بأحرف من نور, تنسج الشّمس,
لوحة اللقاء و مشهديّة أخرى...
و نجمة الصّبح, تشكّل الحبّ,
في لقاءات الطّيب...
و طواف الحبّ حول الحبّ,
البيت العتيق ببكّة, بيت الحبّ لله,
و بين الصّفا و المروة, تطيب في عشق الله
الأشواط بالعشق و الحبّ...

لقاءات الحبّ, تتجاوز الآماد,
في عمق الآمداء, جسدي الرّميم...
يفترّ بالحبّ, يرود عشقا, ردهات الدّهور,
يعبر مسافات الغبراء, يتواصل بالنّقطة...
يولد مجدّدا, نقطة عشق من رحم النّقطة,
النّقطة الإشراقيّة, تتماهى قدرا في عبادة الله...

لقاء النّقطة الإشرباقيّة بالنّقطة الإشراقيّة...
ولادة نقطة أخرى, تحت الشّمس,
فطرة الخلق, ولدت ساجدة,
تعظّم الله, راكعة, تكبّر الله...
منتصبة, تبتهل للحقّ, تطمئنّ في راحتها,
حامدة... تلقي السّلام على السّلام,
في أذن الحياة, تهمس, تكرز مهلّلة,
تراتيل الحبّ و العشق...

لقاؤنا الإشراقيّ, زنبقة بيضاء,
تتفتق بالنّصع, تشتعل نقاء,
على جبين الكون... يغمرنا الحبّ,
في قلب الحياة, نغمر الكون بالعشق,
نسائم الرّبيع تلفّنا, و أزاهير المروج,
في رحاب وطني, يكسونا الضّوء,
و نشرق بنور الله في وطننا...
في وطن الحبّ و العشق...

شمسك ربّي, بالحبّ الشّفيف,
في بلاد العشق, تدثّر مشارف القمم,
تراب الطّهر في وطني العتيد,
يتبارك رحمة و مودّة في أرضي الممتدّة,
بذور الحبّ تنثر و تزرع في التّراب,
حبوب العشق, تهتز الأرض لطيفة,
ينفلق التّراب هادئا...
تولد السّواسن, و تنمو الرّياحين,
أرض الله, بالطّيب تعبق,
و سحر النّشوة, تنشر في الأرجاء,
و يطيب اللقاء, بين الحبّ و العشق
بأرض وطني... أرض الله...

النّقطة الإشراقيّة, نفحة الخلق,
كينونة الوجود في البدء,
عند الله... قوام الكون, و كلّ الأشياء,
من النّقطة الإشراقيّة, قدرة الله تتجلّى,
ترسم آيات الله, تشكّل المعجزات...
سبحانك... جئت منك نقطة إشراقيّة,
كلمة شذيّة, إنبثقت فوّاحة العطر,
ولدت كلمة حبّ في لقاء الحبّ بالحبّ,
في وطن الحبّ, تعيش الحبّ الشّفيف,
سكينة صمت, و هدأة هجعة...
في ضجعة المدى, أبديّة الصّدى...

النّقطة الإشراقيّة...

 

الثلاثاء، 3 فبراير 2015


رذاذات ديماويّة

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

قناعة إطمئنانٍ إيمانيّ بذكر الرّحمة الإلهيّة ترتيلاً و تجويدًا و همسًا و ترنيمًا و دندنة و إستغاثة و مناجاة, تستكن هدأة أشرعتي في كوامني النّفسيّة عند رمال و صخور شواطئي الوجدانيّة و واحات رؤاي العقليّة و إنتعاشاتي الرّوحيّة و دندناتي القلبيّة, تنتعش سيّالات ذاكرتي الإشراقيّة التّفكّريّة المُقلبنة و شغاف جناني المُعقلنة بأبعد ممّا يتخاطر به خيالي في أرحبة و فضاءات الإمتدادات اللامتناهية و المتجاوزة لأسوار المحدودات, ممّا يحملني طوعًا قدريّا على صهوات الرّؤى لما خلف اللامنظور للبصر عند الإنسان و يرود بي عوالم البصيرة الحكيمة, حيث ترسو أشرعتي في مرفأ القنديل الأزرق عند شاطيء الحبّ و العشق بعد سفر طال بي في البعد الآخر و أنا أحزم بعض ما تبقّى من أمتعتي الشّفيفة التي ترافقني في حركة فعل الإرتحالات المتوالدة من بعضها البعض...

 

منذ إقترن عقلي المُتفكّر بقلبي المتشاغف تنامت الحكمة في وجداني العادل, فتنامى الوعي في بواطني و تفاعل العرفان في ذاتيّتي, و غدوت أتجاوب مع معتقداتي المُسلّم بها و التي لا تقبل الجدل أو المماحكة أو النّقاش الذي لا طائل منه أو التّعديل إمّعة لواقع ما, كوني أقمت صروحها على أسس إيمانيّة راسخة و ثابتة, و جبلتها بالمفاهيم العلميّة و الإلتزام بالأخلاق العظيمة التي تُشكّل شخصيّة الإنسانِ, و تنسج له معايير التّفضيل و التّقييم على قواعد يطمئنّ لها النّاقد في مسارات تناوله للحقيقة المجلوّة, و التي تنبثق من قلب النّقطة الإشراقيّة في الرّوح القدسيّة التي تتحكّم بالنّفس إيجابيّا للإنعتاق من ربقات السّوآتِ مهما صغرت و حتّى اللمم...

 

قناعة وعيٍ باطنيّ و عرفانٍ ذاتيّ و إيمانٍ روحيّ و إطمئنانٍ نفسيّ و إلتزامٍ نهائيّ يسكنني الإعتقاد بقوّة و ثباتٍ, أنّ ما يتمخّض عنه تفكّري من صنوف الإبداعات الإنسانيّة من إيحاءات عوالم الفنون الكتابيّة و الفنون التّشكيليّة و الفنون الأدائيّة, لا معنى لها في لعبة التّفضيل و لا قيمة تُحتسب في لغة الإحتسابات حين تنفصل نتاجات هذه الفنون عن حياة الإنسان, و لا تتناول قضاياه و همومه و معاناته و أمانيه و طموحاته و رؤاه...

 

و حركات فعل الإجادة و الإبداع في الكتابة الحروفيّة أو اللونيّة أو أيّ حركة فعل آخر, لا يجب أن تكون كما العدسة اللاقطة للمشهديّات و المرئيّات و اللوحات شاملة و مبيّنة لكلّ التّفاصيل و الحشوات و غرائب التّناقضات, و إنّما يجب أن تسهم بشكل واضح و فاعل في بثّ روح الحياة في جماديّة و ربقات المادّة التي يُعجن منها خيال و فكر و وجدان الكاتب النّاجح مفردات كائناته الفنّيّة, و يجب أن تتفاعل سيّالات روحه الأثيريّة فيما يكتب حتّى لكأنّ ما يكتبه بالحروف أو الألوان جزء من ذاته الرّوحيّة و المادّيّة و المعنويّة التي تُشكّل شخصيّته...