الاثنين، 19 يناير 2015


وعْيُنا المنشود

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

قيمة كلّ منّا كمخلوقات بشريّة عاقلة مُتفكّرة, تكمن في مستوى تطوّر وعيه الباطني و عرفانه الذّاتيّ أوّلا و آخرا و ما بينهما... و التّخطيط السّليم لرسم معالم و مشهديّات مستقبل الوعي و العرفان في كينونتنا البشريّة الإنسانيّة, وجب رسم معالمها الإنسانيّة بكثير من الإنتباه و الدّقّة و الدّراية و الجودة في الوضوح و الجلاء و الصّفاء و النّقاء و الشّفافيّة, تتكامل و تتوافق و تتفاعل و ضوء إدراكنا أبعاد و معاني قوانين و أنظمة المشيئة الإلهيّة العادلة الحكيمة, الّتي شاءت الصّلاح للبشريّة في عظمة خلقها و إيجادها في بدائع صنعها و تكوينها, الّتي تتجلّى بعظمة بدائع صنع الله و وحدانيّته المطلقة فيما شاء و خلق و أبدع في الأكوان و الأفلاك المنظورة و المرئيّة و البعيدة و المغمورة و المجهولة...

مصلحة كلّ منّا التّكامل بوعي التّطوّر الباطني في ذاتيّة كينونته, كي يترقّى و يسمو للعلا عظمة في أخلاقه و رفعة في مناقبه و قداسة في تفكّره و طهارة في قوله و نظافة في عمله... و من يُعارض مصلحة نفسه عن جهل أو لغاية أخرى, يكون قد نأى بنفسه بعيدًا عن الحقيقة المجلوّة, و تنحّى بها خارج إطار الوعي الباطني و العرفان الذّاتي, و رمى بها خارج أطر مسارات التّطوّر الإنساني المنشود من أجل خدمة البشريّة جمعاء, لتكون الأرض الّتي نعيش عليها ميراث السّلف الصّالح بصلاحنا...

كلّ منّا يختار مساره الّذي يشاء في معتركات الحياة و تشعّباتها في ضرورات العيش و الإستمرار, و يكون إختيار كلّ منّا بملء إرادته و كامل حرّيّته و على مسؤوليّته الخاصّة, سواء كان إختياره ولوج النّور العرفاني و الإستنارة في الوعي, أو البقاء في ظلام اللاوعي الّذي إرتضاه لنفسه, وفي كلا الحالتين فسيلقى نتيجة إختياره... و الإنسان المُتميّز بالوعي و التّفكّر و النّضوج العقلي و الوجداني و القلبي و المنفتح على الغدِ و الّذي يُنشد التّطوّر نحو الأفضل في مستقبله, سيختار التّقيّد بما ينصّ عليه مخطّط الوعي و العرفان في حياته من أجل سعادته و سعادة الآخرين. لإدراكه من منطلق إطمئنانه بإيمانه أنّ المشيئة الإلهيّة العظمى, هي الّتي تفرض مشيئتها من خلال ما ترى فيه الصّلاح للكينونة و البشريّة و الخلق جميعًا من خلال فرض قوانينها و أنظمتها عاجلاً أم آجلاً...

الإبحار الإستقرائي التّجريبي و الميداني و التّقييمي في عالم كلّ من الجنسين العاقلين الرّجل و المرأة, يعكس لنا على ضوء الواقع المعاش في حاضر الحياة البشريّة و الإنسانيّة, أنّ الرّجل ما زال متقدّمًا على المرأة و يتجاوزها في العديد من مناحي الحياة, فيما المرأة تبذل كلّ جهدها و تبرز كلّ طاقاتها في السّعي الدّؤوب لتتساوى بالرّجل من النّواحي كافّة... و في مجريات الإحتكاكات اليوميّة المباشرة بين كلا الجنسين في البيت الواحد و العمل الواحد و المجتمع, نتلمّس البعض من الرّجال يغترُّ عنفوانًا و إستكبارًا و مكرًا بتقدّمهم على النّساء, كما بالمقابل نرى بعض النّساءِ تتشاوفن و تتكايدن و تتنافخن بتحدّيهنّ لصنف بعض الرّجال... و هذا لعمري لا يؤدّي إلى المستوى المتقدّم من التّطوّر القائم على الوعي و العرفان...

أخلاقيات و مناقب و سنن قوانين و أنظمة التّطوّر من منظور إنساني روحاني إلهي, ساوت بين كلا الجنسين في كلّ التّكاليف و أعطت لكلّ منهما الحقوق الكافية بتكوين شخصيّته بمعزل عن الآخر, وحرّضت كلّ منهما لبذل الجهد في طلب العلم و تطوير الذّات نحو الأفضل, و لم تُفرّق بينهما إلاّ بمستوى الوعي و العرفان و التّفريق بين العالم و الجاهل و المؤمن و الكافر...

و منظومة التّطوّر تقضي بشكل قاطع على تجاوز كلّ السّلبيات و إزالتها من النّفوس الأمّارة بالسّوآت, و العمل الجادّ على إكتساب فضيلة التّواضع تنظيرًا و تطبيقًا, فمن تواضع لله رفعه الله, و كذلك العمل الصّادق الطّاهر ببعد النّظر العرفاني على التّحلّي بعظمة الأخلاق, كي يسهل على كلّ من الجنسين إكتساب الخصائص الإيجابيّة الّتي تنقصه من الطّرف الآخر...

إذا تحقّقت الأنسنة في كينونة كلّ من الرّجل و المرأة, إنطلاقًا من الوعي الباطنيّ و العرفان الذّاتيّ لكلّ منهما, ستتوقّد كافّة الطّاقات و تتجدّد و تتنامى بإستدامة و تنطلق نحو حركة فعل التّطوّر, لتظهر في نتاجات جدّيّة مساعي كلّ من الرّجل و المرأة من أجل تطوّر الحياة, بالميّزات و القدرات و المواصفات و تضافر و تكامل كلّ الإتراضيات الخاصّة بمستقبل تطوّر الوعي و العرفان... لأنّ منظومة القوانين السّماويّة المنزّلة و ما يتوافق معها من قوانين و سنن إجتهاديّة وضعيّة, جميعها تصبّ في مسار واحد من الوعي و العرفان, و تعمل لصالح كلّ من الرّجل و المرأة, و يتمّ التّطبيق الفعلي و الإجراء العملي بالتّساوي في كينونة كليهما... و لا فرق بين الرّجل و المرأة و لا للمرأة على الرّجل إلاّ بمستوى الوعي و العرفان...

التّردّد في قبول ولوج مسارات الوعي و العرفان في مواجهة تحدّيات العيش, للإستمرار الكريم و المحترم في الحياة على هذه الأرض, يضعنا في مواجهة تجارب حياتيّة جديدة علينا, هذه التّجارب على مختلافها ستضعنا أمام منعطفات و مفترقات لا بدّ أمامها من الإختيار, فإمّا البقاء الجامد المتحجّر حيث كان سلفنا معتمين على , و متابعة حياتنا بكثير من المعوقات الّتي لا تساعدنا على تحقيق طموحاتنا, و إمّا إنتهاج أسلوب جديد لبناء المستقبل الواعد, إنطلاقًا من فعاليّتنا مع حضارة الوعي و العرفان للتّطوير الذّاتي... و مهما يكن الإختيار فكلّ المجالات و الخيارات مفتوحة و مشرّعة أمامنا لممارسة إختيارنا و بالتّالي تحقيق طموحاتنا و أهدافنا وفق إختياراتنا...   

الفرص عديدة و كثيرة تلك الّتي تساعدنا على إكتساب الوعي و تعميقه بالباطن و إكتساب المعرفة و تثبيتها في الذّات, تطلّعًا للتّطوير في نهج مستقبلنا و كلّ ما يخدمنا إيجابيّا في معتركات الحياة الأرضيّة, بحيث ستتضاعف مجالات التّطوّر و التنمية و التّقدّم و الوعي و العرفان... و أمّا إذا غرقنا في المتفرّعات الجانبيّة عن المسارات الأساسيّة و الرّئيسيّة للوعي و العرفان و التّطوّر, فإنّنا سنضطّرّ إلى مواجهة النّتائج السّلبية النّاجمة عن إختيارنا, و النّتائج كذلك ستكون مضاعفة إنّما سلبًا...

تطوير العلوم التّوعويّة في بواطننا و تحديث المعرفة الشّاملة في ذواتنا تقودنا لتفعيل حركات التّطوّر في مساراتنا, فإذا وصلنا في وعينا و عرفاننا و تطوّرنا العلمي و الإجتماعي و الباطنيّ و ما يتعلّق بتفاصيل حياتنا على كوكبنا هذا, نكون قد إرتقينا و سمونا لمستوى فلسفة الفهم و التّفاهم و التّقارب و التفاعل و التّكامل في إستيعاب معنى الحياة و الهدف الأسمى منها و من وجودنا فيها, فوعينا معًا و عرفاننا معًا يُمهّد لنا معًا كلّ العقبات لممارسة أصول الحياة التّطبيقيّة الصّحيحة, و الإلتزام بالمنهج القويم السّليم الّذي يجب علينا أن نتبعه معًا و سويّا, واضعين نصب بصيرتنا الهدف الأسمى لمستقبلنا و أجيالنا الّتي ستأتي من بعدنا...

 

السبت، 10 يناير 2015


و لِلخضرِ شُموعُ

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

الغروبُ جنونْ, الغسقُ جنون, الليل جنون, قد جُنَّ الجنونُ على الجنونْ, فأوقدتُ شموع الجنونْ, للخضرِ فِعلَ جنونْ, و تكوّرتُ على ذاتي في جنونْ, أرقبُ شموعي في جنونْ, و الثّلج من حولي يُمارس الجنونْ, و أنا في مقام الخضرِ أناجي الجنونْ, أستغيث و أبتهل لله و قد مسّني الجنونْ...

 

في بلادي عشّشت الأوكار بالجنونْ, و تربّعت في ساحاتها الشّرور فتنة و إفتنانا و فتونْ, و خيّمت في أرحبتها أشباح المنونْ, قد ساد قهرا فِعلُ الجنونْ, و قُتِلَ الفقراء كفرا على ذِمّةِ الجنونْ, و إغرورقتْ بالدّموعِ حزنا ملايين العيونْ, و أُهرِقَ الدّمعُ مِدرارا من ملايين المآقي و العيونْ...

 

الماضي بكى مِلْء العيونْ, و الحاضرُ بكى و يبكي مِلْء العيونْ, و تباشير الغدِ تحمِل البكاء و دُموع العيونْ, و ما لمْ يأتِ بعدُ سيأتي في غضونْ, تتقدّمه مُبتلّةٌ جُفونٌ و جُفونْ, و نحملُ الشّموع حركة فِعلِ جُنونْ, نسري إلى النّهر العظيمِ الجنونْ, و نحن قانتونْ, نسيرُ بخشوعٍ و شُجونْ...

 

شموعُنا تتّقِدُ بأيدينا جُنونْ, و نحنُ نرتجفُ من البردِ في جُنونْ, قوافِلُ فقراءْ مُستغيثونْ, على حُبّ الخضر كُلّنا مُجتمعونْ, و شُموعنا المُكتنزةُ بالدّعاءِ غُصونا و غصونْ, نهيمُ في الأفقِ البعيدِ الفَتونْ, نسير و لا ننكفيءْ في جنونْ, و الرّياح لا تنكفيءْ و تزدادُ جنونا على جنونْ...

 

فِعلَ زورٍ و حِقدٍ يجتهدونْ, فتغتالنا الظّنونْ, على ذِمّةِ ما يفتونْ, و ما زورًا يقولونْ, و ما بنا ظُلمًا يفعلونْ, و لا يُفارقنا السّرّ المصونْ, و لا نترك إيماننا في أرواحنا المكنونْ, شِئنا الحياة بقوّةٍ أن نكونْ, رُغم ما الآخرونْ, مشيئة عهرٍ يشاؤونْ, ألاّ نكونْ, و رُغم أنوفهم نأبى إلاّ أن نكونْ...

 

تجتاحهمُ الظّنونُ على الظّنونْ, و في الظّنونِ يغرقونْ, ألا هم الآثمونْ, بما إفتروا و يفترونْ, فالإفتاءُ جنونْ, و الفتوى جنونْ, و الفعل جنونْ, بئسَ ما إدّعوا و يدّعونْ, تشهدُ على مظالمهم السّنونْ, عليهمُ اللعنة بما فعلوا و يفعلونْ, و ما على ذِمّةِ الشّياطينِ أرجفوا و يُؤرجفونْ, قاتلهم الله إنّهم ظالمونْ...

 

يا أميرةَ الحُبّ و العِشقِ و الفنونْ, تعالي نحمِلُ شُموعَ الخضرِ فنونْ, و نطوفُ في الليالي على حُبّ و عِشقِ الخضرِ فنونْ, نتهجّد لله و نستغيث فنونا على فنونْ, نتحدّى الأرزاء و الأهوال و فتاوى الجنونْ, نتجاوز النّوح و الآهات و الشّجونْ, نبتهلُ نتبتّلُ نتوسّلُ و لا نهونْ...

 

تعالي يا أختّ الرّجالِ كي نكونْ, مِثالُ الخلقِ أمناءَ و له مؤمنونْ, نتكاملُ في الله و له عابدونْ, نمتطي صهوات أجنحةِ ملائكة له مسومونْ, عقيدتنا و فكرنا تحمينا شرّ الملوكِ و الجبابرةِ و ما يأفكونْ, و تدرأ عنّا خناجرَ الغدرِ و ما به يغدرونْ, و ما الشّياطين لِنفوسهم يُوَسوِسونْ...

 

يا أميرة الفنون و الجنونْ, تعالي نجلس على رِمالِ الشاطيء المجنونْ, نرقبُ أمواج الجنونْ, نترقّب الخضر يتجلّى فوق الماء لوحة فنونْ, نلتقط من رذاذ الأمواج مفردات الفنونْ, فحُبّ الخضرِ سماءٌ بالعِشقِ مكنونْ, لا حدود لها لا قيود بها و لا ما ينسجونْ, و الكلّ قاماتٌ منتصبونْ, راكعونْ, ساجدونْ...

 

لِلخضرِ شُموعٌ تتّقِدُ بِتقوى الله و لا يدرونْ, لم و لن و لا تنطفيءْ مهما كان و يكونُ و سيكونْ, و للخضرِ مجمع بحرينٍ لا يُدركه مكانا و زمانا إلاّ العارِفونْ, و لِلخضرِ لِقاءٌ مع شيخِ الأنبياءِ لو تعقِلونْ, لا يكتشِف سِرَّه إلاّ المُتّقونْ, و ليس الخِضرُ كما يحيكونْ, إنّما هو عبد لله و لا يعرفونْ...

 

شُموع الخضرِ مجدٌ و عِزٌّ و شُموخٌ أفلا تتدبّرونْ, و شموعُ النّاسِ لِلخضرِ لا تنطفيء إن كنتم تتفكّرونْ, فالخير في مقامِ الخِضرِ لا يموتُ إن كنتم بالله تؤمنونْ, فتطهّروا من أرجاسِ الشّرّ إن كنتم تتعقّلونْ, فقد حبا الله المجد لمن بالله لا يكفرونْ, هو الله لم يلِد و لم يولدْ ليتَهم بعد كفرهم يؤمنون؟!...

 

خير الشّموعِ شموع الخضرِ لو تعلمونْ, يعقوبَ العمرانِ و المُعمّرونْ, خضر موسى النّبي نورانيٌّ خضرونْ, نحنُ لهُ في الله موسويّونْ, نحنُ لهُ الله عيسويّونْ نحنُ لهُ في الله مُحمّديّونْ, على إسم الخضر لله مُوحّدونْ, و على حُبّ و عِشق الخضرِ نحنُ علويّون, فإن شِئتم تُؤمنونٍْ, أو تكفرونْ, لا ضير فيما تفعلونْ...  

 

الخضرُ مُذ كانْ لِكُلّ الأمم يكونُ و سيكونْ, حُبّهُ واجبُ قداسةٍ عند كُلّ الأنامِ يكونْ, الإيمانُ برسالتهِ تطهيرُ الأرجاسِ و الشّرورِ و الظّنونْ, و تحريرُ النّفوسِ من الحقدِ و الحسدِ و الكفرِ و ما فيها مدفونْ, فالإيمانُ و تقوى الله يُطفيء لهب جهنّم المجنونْ, و حُبّ الخضرِ يسمو بصاحبهِ و لا يهونْ, و على حُبّ الخضرِ تطيب الأعراق هدأة و سكونْ, و تسمو إلى خيرِ القيمِ فوق القِمم تُخلّد والسّنونْ...  

 

لِلخِضرِ سلام في زمن البلاء

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

 

أبجديّة الضّادِ, بَدؤها, ألفْ باءْ,

مُنتهاها, قدرًا حرفُ الياءْ,

و مناجاة العبادِ, الفقراءْ,

تبتديء على ذِمّة التّسابيح بالياءْ...

 

يا سيّدة الحزنِ و النّحيبِ و البكاءْ,

مهلاً, مهلاً على المُعاناةِ و البلاءْ,

هذا زمن العهر و الكفرِ و الضّوضاءْ,

و عصرُ القهر و الغدرِ و النّفاقِ و الإبتلاءْ...

 

تعالي حبيبتي, نُسرِجْ صهوةَ الأنواءْ,

نمتطي الحُبّ جوادًا و نلبسُ العِشق رِداءْ,

نُضيءُ شموع الخضرِ عندَ كُلّ غسقٍ و مساءْ,

نُنادي على موسى النّبي ضراعةً بأحرّ النّداءْ,

و الكُلُّ نناجي لا نُفرّقُ بين الرّسلِ و الأنبياءْ,

آمنّا بالله و ما أُنزِل إلينا و فيه ترياقٌ و دواءْ,

و ما أُنزِل إلى إبراهيم و إسماعيل من السّماءْ,

و إسحق و يعقوب و الأسباط و ما قد جاءْ,

و ما أُوتي موسى و عيسى و النّبيّون الأمناءْ...

 

تعالي حبيبتي, نُعلِنُ حُبّنا و عِشقنا دون إلتواءْ,

لِله في العُلا, نستجير بهِ و نلوذ إذا حلّ البلاءْ,

نقتفي إستقامة مساراتَ التٌّقى لِرِجالِ الله الأتقياءْ,

خلفاءَ الله للنّاسِ في الأرضِ و نِعم السّادة الخلفاءْ,

لأبي بكرٍ و العادلِ عمرَ و عثمانَ و كُلّ الأوصياءْ,

و من حملوا المسؤوليّة تكليفًا من الشّرفاءْ...

 

تعالي حبيبتي, نُعلِنُ حُبّنا و عِشقنا و الولاءْ,

لأهلِ البيتِ أئمّة الهُدى السّادة الأوصياءْ,

لِعلّيٍّ, يومَ الغديرِ, نجهرُ بالإخلاصِ و الوفاءْ,

في غُرّة الفجرِ, قبلَ صِياحِ الدّيكِ و الضّياءْ,

نتشهّدُ لله, نُبسمِلٌ و نُحمدِلُ و نُعلِنُ الولاءْ,

و نُقيم عِندَ كلّ معلمٍ للحسينِ العزاءْ,

نُحيي لله قربةَ إيمانٍ مناسكَ عاشوراءْ,

عُربونَ حُبّ خالصٍ و عِشقٍ طاهرٍ و وفاءْ,

و لتشهدْ الأرضُ لنا حُبّ الحسينِ و السّماءْ,

و التّسابيحُ و المناجاةُ و الدّعاءْ,

و التّهجّداتُ و الإستِغاثاتُ و البكاءْ...

 

عليكَ السّلام, يا خِضرَ موسى و الأنبياءْ,

يا سِرَّ الوعيِ و مُرشِدَ الأولياءْ,

يا جوهرَ العرفانِ و علمَ العُلماءْ,

يا خليفةَ الله على الخلفاءْ,

يا ناهل الحياةَ من عينِ الماءْ,

يا كوكبَ الصّبحِ المنيرِ بالرّجاءْ,

يا بدر الدّجى المُشرقِ من رحمِ الظّلماءْ,

عِندَ مجمعِ البحرينِ كانَ اللقاءْ,

و كانَ الوحيُ رحمةً منَ السّماءْ,

السّفينةُ حركةُ فِعلٍ و مسارٍ في الإبتداءْ,

و الغلامُ مثلٌ لِلورى, فلِكُلِّ داءٍ دواءْ,

و الجدارُ رحمةٌ من الله للأبناءِ بالأباءْ,

و أفعالٌ تُنكرُ على ظاهرِ الأشياءْ,

و التّفسيرُ أتى حاملاً أسرارَ الضّياءْ,

لما لمْ يسْطتعْ صبرًا له شيخُ الأنبياءْ...

 

يا مكنون النّورانيّةِ عِندَ سيّدِ البلغاءْ,

يا يعقوب العمرانِ يا خِضرَ النّماءْ,

يا بُرهن الله يا خاتَمَ الرّسلِ و الأنبياءْ,

يا خِضرَ موسى و صاحِبَ الأنبياءْ,

بكَ الإبتداءُ كانَ دونما الإنتهاءْ,

نتلمّسُ ظِلّكَ العابرِ فوقَ الماءْ,

نتضرّعُ لله نرفعُ أكُفّنا للسّماءْ,

نحنُ أمّةُ غرقى في أتونِ البلاءْ,

نثملُ طربًا و يُسكِرنَا الرّقصُ و الغِناءْ,

نجهلُ معنى الحياةِ و قدرَ العناءْ,

نرودُ الظّلمةَ قهرًا, بديلَ الضّياءْ...

 

يا خِضرَنا يا سيّدَ الصّفاءِ و النّقاءْ,

سئمنا العصرنةّ و سياسةَ الغوغاءْ,

قرفنا, قرفنا... ساسة النّفاقِ و الرّياءْ,

تقيّأنا علوجَ الفتورِ و أبجديّةَ الدّهاءْ,

مججنا أباطيلَ الوعدِ و الواعدِ و الوعودَ الرّياءْ,

و لمْ نعُدْ نُصدّقُ لعبةّ الرّياءْ,

و المواقف الرّياءْ,

و الوعودَ الرّياءْ,

و اللقلقةَ الرّياءْ,

و الدّموعَ الرّياءْ,

لمْ تعُدْ تُشْغلنا الخرافاتُ الرّياءْ,

و الأساطيرُ الرّياءْ,

و حكايا الغيلانِ و العنقاءْ...

 

يا خِضرَ المكانِ و الزّمانِ و الرّجاءْ,

عفوًا قبل البدءِ, في بلادنا الثّكلاءْ,

نبتَ الحِقدُ و الحسدُ و عرّشَ الوباءْ,

و تسلّط الأدنياءُ على الأتقياءْ,

و سادَ الأغنياءُ و تقزّم الفقراءْ,

و غدوْنا نمشي إلى الوراءْ,

في زمنٍ بائرٍ, الحقيقةُ فيه هراءْ,

من الكهوفِ طلَعتْ علينا السّعلاءْ,

من القبورِ إنتشرتْ هياكلُ العماءْ,

و أفتى من أفتى, ظُلمًا و إفتراءْ,

قد غدر بنا التّاريخُ و ثقافة الجُهلاءْ,

و طعنتنا الجغرافيا و تدفّقت الدّماءْ,

و إصطبغتْ بالألوانِ الحرباءْ,

و إرتوتْ من دِماءنا الجرباءْ,

قتلوا الحُبّ فينا فِعْلَ إعتداءْ,

طعنوا العِشقَ فينا عِنوةَ غباءْ,

مزجوا أجسادنا بتُربةِ الأرضِ الجرداءْ,

بالحصى و الحجارةِ الصّمّاءْ,

و كانَ الماءُ للخليطِ الدّماءْ,

قدْ أضحتِ كُلُّ الأشياءِ سوداءْ,

و ضجّتْ الأرضُ بالتّربةِ الرّماديّةِ الغبراءْ,

تحت أديمها يئدُ الأحرارُ كُلّ الأشياءْ,

و أحلام أولادَ السّراري و الإماءْ,

و ثِمارِ المُتعةِ و السّباءْ,

كُلّما جُنَّ البغاءُ كثُرَ اللقطاءْ...

 

يا خضرَ الزّمانِ و المكانِ و الرّجاءْ,

ما زِلنا نتخبّطُ في نجيعِ الدّماءْ,

صُراخنا و نحيبنا قدْ ملأ الأرجاءْ,

و إمتدّ حتّى عمّ فجاجات الفضاءْ,

و لبّد في سيّالاته طبقاتَ الأجواءْ,

و إستغاثاتنا ألهبتْ الأرض و السَّماءْ,

الحاكمُ قاتلٌ تتملّكهُ الأفعالُ الرّعناءْ,

و المؤتمنون لصوصُ و ليسوا أمناءْ,

و الأشباح عنوةَ عهرٍ تقودنا للفناءْ,

يرسمون مصائرنا البرّاجون الأعياءْ,

و هاروت و ماروت يهدوننا الدّعاءْ,

و نوستر أداموس يدعوننا إلى اللقاءْ,

فشيخنا مُسِخ طفلاً تلاعبه الأشياءْ,

و طبائعنا تختزنُ النّارَ في رحمِ الماءْ,

و ندري أنّ حياتنا في قِمّةِ الغوغاءْ,

و نأبى إلاّ مناجاتكَ يا ربّ السّماءْ,

فحقّنا مسلوبٌ لمْ و لنْ و لا نترك النّداءْ,

و سارقُنا لِصٌّ دوليّ سِمته الغباءْ,

فيا لِزمنٍ فاجرٍ داعرٍ ساد فيه البغاءْ,

و يا لزمنٍ كافرٍ قاهرٍ حلّ فيه البلاءْ...

 

سيّدنا يا خِضرُ أنتّ الأملُ و الرّجاءْ,

ما حكّ مِثلَ ظِفرنا جلودنا السّمراءْ,

نستودعكَ الله و في كلّ وداعٍ لقاءْ,

فلنا في كُلِّ أرضٍ مزارَ عزٍّ و بهاءْ,

و لنا بكلّ مكانٍ مقامَ فخرٍ و ضياءْ,

تخضوضِرُ السّهولُ و تُصبحُ خضراءْ,

و مناراتُ القِممِ الشُّمِّ بكَ تُضاءْ,

و تُشْرِقُ الشّمسُ غربًا إذا الله شاءْ,

و يسطعُ كوكبكَ المنير في الليلةِ الظّلماءْ,

و في السّماواتِ و الأرضِ ينشرُ الضّياءْ,

إنّما المؤمنون أخوةٌ فليؤمنْ منْ شاءْ,

و كُلّ النّاسِ من آدمَ و الإنسانيّة دينُ السّماءْ.

 

الخميس، 8 يناير 2015


وِجدانياتُ حُبّْ في تجلّياتِ عِشِقْ

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

ويح روحي هيامًا لكِ في الحبّ من أريج هذا العبقْ, ويح قلبي خفقانًا في العِشقِ لكِ من تشاغف هذا العفقْ, ويح نفسي عذابًا في العيشِ بكِ من وسوسةِ هذا القلقْ, ويح فكري ثملاً في الإيمانِ من سُلافِ هذا الدّفقْ, ويح يراعي توجّدًا في التّسابيحِ من سيلانِ هذا الشّبقْ, ويح وجداني مُعاناةً في التّهجّدِ من عصفِ هذا الغرقْ, ويح دمي نازفًا في الإبداعِ من شِدّةِ ما هرقْ, ويحَ حبّي مودّةً في الله من ضوعِ ما بالطّيبِ لكِ عبقْ, ويح عِشقي رحمةً من الله سكن في صدري لكِ أضاءَ كوكبًا و شَرقْ, ويحَ شكيرتي اللونيّةِ ممّا تتوهّجُ بهِ صباحَ مساءَ مع كلِّ شفقْ, ويح جلاء فكري و خاطري و سمعي و بصري و إحساسي كُلّما حلّ الغسقْ؟!...

فسُدولهُ الأولى, لطيفةً أرخى الغسَقْ, وَ الأشياءُ خشوعًا و سَكيْنةً, وَشّحها الغسقْ, وَ القمرُ المنيرُ دِيثارًا, قد خسَفهُ الغسقْ, وَ السّماءُ لبّدها وَ أدْمعَها الغسَقْ, و غابَ عن رؤايَ كوكبُ الصّبحِ الوضّاءِ و غسقْ, فعَكَفتُ طُمَأنينَةَ نفسٍ في جوفِ الغسقْ, أُجوِّدُ آياتَ سورَة الغسَقْ, وَ الطَّرْفُ رافِلٌ, يغرَوْرِق بالغسّقْ...

وَ كُلَّما تعاظمَ حِلْكةً وَ إشتدَّ الغسّقْ, إسْترْجعْتُ ترْتيلَ آياتِ الغسَقْ, وَ أَعْقبْتُ بِتجْويدِ آيات سورَةِ العلَقْ, أَتفكَّرُ فِي أَطْوارِ العلَقْ, يُخاطِرُني النّفيسُ الثّمينُ العلَقْ... أتطلّعُ إليكِ تتجلّينَ عظمةً على عظَمةٍ من بدِيعِ صُنعِ الله من بينِ ما قدْ خلقْ...

وَ مهْما طالَ مُعْظمُ العلَقْ, أرْقبُ الفجْرَ الصَّادِقَ مِنَ الغسَقْ, بالضّوْءِ المُكوْكبِ يُطارِدُ فلولَ الغسَقْ, وَ يُرْفعُ آذانَ الفجرِ آخرِ الغسَقْ...

ترْحلُ مُسافرةً بقايا خُيوطِ الغسَقْ, وَ ينْبَلِجُ الصّبحُ مِنْ قلْبِ الغسَقْ, بيَاضُ ضوْءِ الفلَقْ, وَ يسْتيْقِظُ كُلُّ خلْقِ الفلَقْ, كَطائِرِ الحَياةِ, يَنتَعِشُ مِنْ قلْبِ الغسَقْ, وَ يمْضي كُلٌّ في مَسارِ إِطْمِئْنانِ الفلَقْ, يسْتقْريءُ وَعْيًا وَ عرَفانًا فلْسفةَ الفلَقْ, يسْبُرُ كُنْهَ الأشْياءَ بالأمرِ الفلَقْ...

وَ إِذَا إِقتضى الشّيءُ, يَمْضي في نفقِ الفلقْ, يُعْقِلُ التَّفكُّرَ وَ يُحْكِمُ إِطْمِئْنانًا قيْدَ الفلَقْ, وَ إِنْ تَكاثرَتْ قدرًا الفِلَقْ, وَ شُقَّ الشّيْءُ الّذي لا يُشقْ وَ فُلِقْ, وَ غدا كالفِلَقْ, يُشجُّ الرّأسُ لها على ذِمّةِ الفلَقْ, صدَقةً جاريةً مِنْ أجْلِ الفلَقْ, كُلَّ الفلَقْ...

في غفْلةِ عَقْلَنَةِ أَوْ قلْبَنَةِ العَفَقْ, عَنْ حَرَكَةِ فِعْلِ العَفقْ, سَكَنَني عِنْوَةَ قهْرٍ فِعْلُ حَرَكَةِ العَفقْ, وَ شَعَرْتُ قدَرًا مَحْتومًا بالعفقْ, كأنَّني أُساطُ ظُلْمًا وَ زورًا بالعَفقْ...

وَ أعْفُقُ عَفَقًا على عفقٍ بالعَفقْ, تُراوِدُني كُلُّ الأشياءَ عفقًا بيْنَ العفَقِ وَ العفَقْ, أُخفِّفُ عنْ كاهِلي بعْضُ العَفَقْ, لِيَرْتاحَ قَليلاً جَسَدي مِنْ سَوْطِ العَفَقْ...

فَأسْتَلُّهُ مِنْ غِمْدِهِ سَيْفُ المَشَقْ, يَتَرَاءى لِبَصَري وَ بَصِيْرَتي كَأنَّهُ مَمْشوقُ المَشَقْ, عِنْدَ حَدِّهِ حَدُّ المّشّقْ, أعْفُقُ بهِ رَأسَ الوَشَقْ, بَعْدَ حَرَكَةَ فِعلِ مُتَفَرَّقِ الوَشقْ, أُمارِسُ الوَشَقْ, كُلَّما سَكَنَني العَفقْ...

أّرْمي بهِ هذا المَشَقْ, بعْدَ عَفَقِ العَفَقْ, وَأُمْسِكُ مَشَقَ المَشقْ, أُمَسِّدُ بِأنامِلي رَأسَ المَشَقْ, فإِذَا المَدادُ يَنْزُفُ مِنْ سِنِّ المَشَقْ, أُشَكِّلُ كَلِماتَ الحُبِّ وَ العِشقِ بِلِسَانِ المَشَقْ, يَسْكُبُ المَدَادَ هَرَقْ, فَوْقَ قراطيسِ الوَرَقْ, هّذا الولهُ العاشِقُ, المَشَقْ, مِمَّا بِهِ عَفَقْ, وَ عَلَقْ...

الفجْرُ مِنْ قلْبِ الغسَقْ, تَوَالَدَ قدَرًا وَ إِنْفلَقْ, وَ النّورُ هَلَّ وَ إِنْبَثَقْ, وَ أضاءَ الوجودَ مَعْ هذَا الفَلَقْ, وَ راحَتْ تَتَماهى لَوْحَةُ الشَّفقْ, تَزْدانُ سِحْرًا عِنْدَ خَطِّ الأُفُقْ, حَيْثُ كَوْكَبُ الشَّمْسِ قدْ شَرَقْ, وَ النَّسيمُ العَليلُ مِنْ قَلْبِ الصّباحِ دَفَقْ...

حَبيبَتي الّتي إِختَرْتُكِ مِنْ بَيْنِ الفَلقْ, يا نَجْمًا فِي البُعْدِ قَدْ أَشرَقْ, وَ كَوْكبًا في المَدى قدْ بَرَقْ, وَ رَبُّ الأكْوانِ وَ الفَلَقْ, وَ ما بَرى وَ ما قدْ خلَقْ, القلْبُ بِكِ عَشِقْ, وَ الفِكْرُ بِكِ أشْرَقْ, وَ غدَوْتِ قدَرًا, إِنْتِعاشَ الرّمَقْ...

قدْ أيْنَعَ العِشِقْ, مَعْ كُلِّ غَسَقْ, وَ الليلُ إِذا إِتَّسَقْ, وَ الحُبُّ إِذا تَوَرَّقْ, أُمَسِّدُ اليَراعَ وَ المَشَقْ, وَ أُدَغْدِغُ بَياضَ الوَرَقْ, وَ أَكْتُبُ لَكِ ما في روحي عَبَقْ, وَ تشذَّى مِنْ ضَوعِ الحَبَقْ...

فَالعَقْلُ تَقَلْبَنَ وَ عَشِقْ, وَ مِنَ الرَّبَقْ, تَحرَّرَ وَ إِنْعَتَقْ, وَ القَلْبُ تَعَقْلَنَ وَ تَشَوَّقْ, وَ الوَحْيُ تناهى وَ إنْفَتَقْ, وَ الإِلْهامُ أَتى يَنْسابُ أَثيرِيًّا على صَهَواتِ الأفُقْ, كُلَّما الفجْرُ بالضّوْءِ تشَقْشقْ...

كأنّكِ وحي السّماءِ في كينونتي عبقْ, يُرشدني إلى لقاء العبد الصّالحِ عند مجمعِ بحارِ الأفقْ, أتعلّم منه ما غاب عنّي و إنغلقْ, فإذا اللقاءُ بين العاشقِ و المعشوقِ بالحبِّ عبقْ, تتجلّى معجزاتُ الله تمحي القلقْ, فسبحان الذي برى و خلقْ...

إِلَيْكِ حَبيبَتي القَدَرِيَّةُ دَفَقْ, وَمَضٌ مِنْ سُلافِ العَبَقْ, يَتَشَذَّى مِنْ ضَوْعِ الحَبَقْ, فالرّوح إنتعشت بكِ و القلبُ عشِقْ, وتسابيح الحُبِّ تتعتّقْ, تتيانعُ و تتنامى ورودًا فوق الورق...  

الثلاثاء، 6 يناير 2015

شعار "أمل" الإبتكار الإبداعي للفنّان حسين أحمد سليم
بقلم: حسين أحمد سليم

شعار حركة "أمل" في لبنان, الصورة الهندسيّة المعماريّة الخطوطيّة الدّائريّة باللون الأبيض النّوراني لكلمة "أمل" يحيط بها الهالة الحمراء على خلفيّة خضراء, والذي قام الفنّان التّشكيلي حسين أحمد سليم يومها, بإبتكار إبداعه على ما هو عليه بالحروف الثّلاثة "ألف, لام, ميم" وذلك في نهايات العام 1980 للميلاد, بتكليف من النّاطق الرّسمي ونائب الرّئيس يومها السّيّد حسين الموسوي, النّائب الحالي في البرلمان اللبناني, وبحضور عدد من الأركان القياديّة التي كانت يومها, وكان برفقة حسين أحمد سليم, السّيّد خضر الموسوي الذي كان مكلّفا بهام تنظيميّة معيّنة, والذي قام بالتّعريف يومها بين الفنّان حسين أحمد سليم والسّيّد حسين الموسوي "أبو هشام" في مقرّ قيادة حركة أمل في برج البراجنة, وبحضور ومعرفة عدد من القياديين يومها ومنهم: حسن هاشم وعاطف عون والشّيخ حسن المصري والحاج حسين عبيد وأحمد حسين وحسين الخليل وعلي عمّار وغيرهم, وبعلم ومعرفة الفنّان رفيق شرف الذي كان عضوا في المكتب السّياسي يومها, والذي صمّم ووضع مقاييس الرّاية على ما هي عليه بألوانها: الأخضر على كامل رقعة الرّاية وفي طرف زاويتها اللونان: الأحمر والأسود, وما زلت أحتفظ بالتّفاصيل الهندسيّة والفنّيّة وكيفيّة توزيع الخطوط والألوان, وتسامت وضع الشّعار في نقطة إلتقاء وتقاطع منصّفيّ الطّول والعرض لخامة الرّاية وعلى بعد مساوي وموازي للشّريط الأحمر, الذي يبدأ طرفه السّفلي من الثّلث الأول لطرف الرّاية وطرفه العلوي على بعد ثلثين من الطرف الطّولي للرّاية... الشّعار الذي قام الفنّان التّشكيلي حسين أحمد سليم بإبتكار وإبداع تصميمه ونسب هذا الشّعار خطأ فنّيّا وصحفيّا وإعلاميّا وتوثيقيّا إلى الفنّان التّشكيلي رفيق شرف الذي وضع تصميم الرّاية, وإعتمد الشّعار الذي صمّمه الفنّان التّشكيلي حسين أحمد سليم...
حروف كلمة "أمل" والتي تعني إختصارا: أفواج المقاومة اللبنانيّة, "الألف والميم واللام" على هذا الشّكل البنائي الهندسي الدّائري المبتكر أيضا, تكتنز بالكثير الكثير من الأسرار, التي تختفي في عناصرها التّكوينيّة على هذا الطّراز...
الكتاب الفنّي الذي وضعه الفنّان التّشكيلي حسين أحمد سليم والذي تمّ تسجيله على صحون ممغنطة وتمّ توثيقه بفيلم إستعراضي خاصّ ومطبوع منه عددا محدودا للحفظ هو جاهز للطّباعة الواسعة حول شرح أسرار شعار حركة أمل تمّ تبويبه لعدّة أبواب... تحكي عن التّكليف وعن مراحل التّصميم والإبتكار وعن مرحلة الطّباعة بالتّنسيق مع السّيّد أحمد حسين الذي كان يومها أمينا ماليّا للحركة ويمتلك مطبعة بإسم الزّهراء في الشّيّاح وهو حاليا مدير عام دار بلال للطّباعة في بيروت... ويضمّ الكتاب قسما فنّيّا هندسيّا تشكيليّا, يشرح ويُظهر مكتنزات الشّعار وفق ما قام بإبتكار إبداع تصميمه الفنّان التّشكيلي حسين أحمد سليم...
يكتنز الشّعار بجميع الأشكال الهندسيّة والمعماريّة والكوفيّة لحروف المنظومة الهجائيّة الأبجديّة الضّاديّة العربيّة والتي يبلغ تعدادها تسعا وعشرون حرفا...
يكتنز الشّعار بجميع الأشكال الهندسيّة والمعماريّة لحروف المنظومة الهجائيّة الأبجديّة اللأتينيّة من فرنسيّة وإنكليزيّة وغيرها من الأبجديّات العالميّة المنتشرة والمعمول بها في جميع أقطار العالم...
يكتنز الشّعار بجميع أشكال الأرقام العربيّة والهنديّة والرّومانيّة وغيرها... إضافة لإكتنازه بأطوار القمر المعروفة كهلال وتربيع أوّل وتربيع ثاني وبدر... وفي الشّعار تتجلّى معالم الكعبة المشرّفة وقبّة المسجد الأقصى وسفينة نوح وسفينة النّجاة ومخطّطات الكوكبات المعروفة...
وعليه فالشّعار, شعار حركة أمل, يحمل في عناصره إسم الجلالة وأسماء الرّسل والأنبياء وأسماء الخلق والأشياء والموجودات إضافة لحروف وكلمات وآيات الكتب السّماويّة المقدّسة وباقي الكتب في جميع أنحاء العالم... كون عناصر الشّعار تكتنز بجميع عناصر الحروف الأبجديّة والأرقام...     

النّبي أيلا (ع) و بعلبك

و مقام قديم حارس البقاع اللبناني

 

بقلم: حسين أحمد سليم


إشتُهر وادي البقاع اللبناني بتاريخه العريق كونه كان مهد الحضارات القديمة التي أتى التّاريخ على ذكرها حيث سادت زمنًا ثمّ بادت بحكم تعاقب الأزمان و الأدوار و الأطوار و الأحقاب و الأكوار...

هذا السّهل الممتدّ على طول مساحة لبنان من أقصى الشّمال حيث يتواصل مع الأراضي السّوريّة إلى أقصى الجنوب حيث يتحادد مع الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة, و محدودًا بسلسلتيّ جبال لبنان الشّرقيّة الفاصلة بينه و بين سوريا من الشّرق و سلسلة جبال لبنان الغربيّة التي تفصله عن شاطيء البحر الأبيض المتوسّط من الغرب و المُسمّى بالبقاع اللبناني...

ما يُميّز هذا السّهل, البقاع اللبناني, عن غيره من نواح كثيرة سيّما النّاحية الرّوحيّة و الدّينيّة أنّه كان منذ البدء ساحة واسعة و مشهود له في حركة فعل تبليغ رسالات السّماء للمكلّفين بها و كان مسرحًا لمعاناة عدد من الرّسل و الأنبياء و من بينهم النّبي أيّوب و النّبي نوح و النّبي إلياس و غيرهم...

و ما يدلّ على وجود هؤلاء الأنبياء و الأولياء و عباد الله الصّالحين و إنتشارهم أو إقامتهم أو مرورهم في هذا السّهل المبارك, وفرة الآثار المختلفة العصور و الأزمنة و كثرة الأضرحة المقدّسة و المقامات للعديد من الأنبياء و المزارات المختلفة للكثير من الأولياء و الصّالحين و عباد الله المختارين... تلك المعالم التي قلّ أن تخلو منها قرية أو بلدة أو مدينة أو قمّة جبل أو تربة في سهل...

الإستدلال على ذلك كثافة المقامات و المزارات لأنبياء و أولياء ورد ذكر بعضهم في القرآن الكريم و الكتب السّماويّة و البعض الآخر ذُكر في الأحاديث و الرّوايات و الأخبار و المنقولات...

بوصلتنا الجغرافيّة الممغنطة الرّأس بالإيمان إختارت وجهة سياحتنا لهذا الأسبوع بلدة بقاعيّة تحمل إسم النّبي الذي باركها و أعطاها إسمه الشّريف, عنيت به النّبي أيلا (ع) الذي يتربّع صرح مقامه المميّز بأعلى تلّة غربي البقاع الأوسط إلى الغرب من بلدة أبلح البقاعيّة و الجنوب من بلدة نيحا و إلى الجنوب من بلدة الفرزل المحازية لكرك نوح, ليرتفع معظّمًا وسط بلدة سُمّيت بإسمه و يشرف من مكانه العالي على مساحات واسعة من سهل البقاع الأوسط و بساتين الأشجار المثمرة المحيطة به و البيوت المنتشرة حوله حبّا و تكريمًا و تبريكا و إطمئنانا في بلدته النّبي أيلا و محيطها...

بلدة النّبي أيلا هي إحدى القرى اللبنانيّة من قرى قضاء زحلة في محافظة البقاع.

تبعد بلدة النّبي أيلا 56 كلم (34.7984 ميل) عن بيروت عاصمة لبنان. ترتفع 1050 م (3445.05 قدم - 1148.28 يارد) عن سطح البحر و تمتدّ على مساحة 415 هكتاراً (4.15 كلم²- 1.6019 مي²).

يُطلق عليه البقاعيّون إسم «قاضي الحوائج». هو «نبيّ الله إلياس» أو نبيّ الله أيلا، الذي لا يرد محتاجاً أو طالب صلح أو شفاء من مرض، أو ملهوفاً على غائب...

المكان هذا يرتبط بلجوء النّبي أيلا إلى السّلسلة الغربيّة في العام 850 قبل المسيح، هرباً من الملكة عتاليا زوجة بعل بك التي سُميت بإسمه مدينة بعلبك الحالية، و حين حاصر جيش عتاليا النّبي أيلا، طلب إلى الله أن يرفعه إلى السّماء، فإذا بشهب من نور ينتصب من الأرض إلى السّماء و عربة من نور عليها نبيّ الله أيلا. و عندما إرتفع إلى مسافة معيّنة رمى عباءته، فإلتقطها خليفته نبيّ الله ليشع، و كان مكان صعوده عند أعالي بلدة النّبي أيلا التي سُمّيت تيمّنا بإسمه...

النّبي أيلا هو إلياس بن فنحاص بن أليعيزار بن هارون بن عمران التّشبّي و في العبريّة يقولون إيليّا و معناه " إله يهوى " و بالإغريقيّة إيلياس و بالعربية " إلياس". و هو من بلدة تشته, و هي مدينة طوبيا في سبط نفتالي جنوب القدس و شمال صفد, سكن في مدينة "جلعاد" و تعني الصّلت.

تصدّى للملك السّامري أخاب بن عمري المتزوّج من إيزابيل الصّيدونيّة بنت إينو بعل الفينيقي, بسبب إدخال عبادة البعل إلى مملكة أخاب تحدّى كهنة البعل أمام أخاب و قتل منهم 450 رجلاً...

ذكره الله تعالى بقوله: "و زكريّا و يحيى و عيسى و إلياس كلّ من الصّالحين" كم جاء في سورة الأنعام 85.

و قال تعالى: "و إن إلياس لمن المرسلين, إذ قال لقومه ألا تتقون, أتدعون بعلاً و تذرون أحسن الخالقين, الله ربّكم و رب آبائكم الأوّلين, فكذّبوه فإنّهم لمحضرون, إلاّ عباد الله المخلصين و تركنا عليه في الآخرين" كما جاء في سورة الصّافات 123-129.

غضبت عليه إيزابيل زوجة أخاب فذهب إلى بئر السّبع في فلسطين ثمّ إلى حبوريت, ثمّ إلى الأردن, ثمّ إلى الصّرفند و قام فيها بمعجزة فشفى إبن الأرملة أليسع بن أخطوب وهو خليفته...

و قد أورد المفسّرون أنّ أخاب كان يسكن مدينة بعلبك من بلاد الشّام...

و روي أنّ الرّحّالة النّابلسي زاره, و صلّى في المقام و منه إنتقل إلى مقام النّبي نوح (ع) في بلدة كرك نوح قرب زحلة...

تتراءى للمشاهد الزّائر أنّ موقع بلدة النّبي أيلا (ع) و كأنّه من روائع و جماليات هضبات و تلال البقع الجغرافيّة غربي البقاع الأوسط, و حيث تتربّع البلدة على تلّة تتماهى بمسحات من مشهديات الجمال التي صاغها الخالق في أرحبة البقاع, و حيث يقع مقام النّبي أيلا (ع) لتمتدّ أمام النّاظر مشهديات و لوحات تشكيليّة أبدعتها و خطّتها يد المبدع العظيم كأنّه قُدّت من السّحر  وسط أشجار مختلف ألوانها ليرتفع صرح مقام النّبي أيلا (ع) الشّريف شامخًا, تعلوه القبّة الخضراء الزّاهية و المئذنة المرتفعة تشقّ الفضاء و جدرانه الحجريّة الحمراء و أبوابه الأبانوسيّة الضّخمة و تلك البلّورات الزّاهية بأبهى الألوان المزجّجة النّوافذ بها و أرضه المرصوفة ببلاطات من المرمر الأسود و الغرانيت الأحمر...

و شاعت شهرة و صيت مقام النّبي أيلا (ع) منذ حقب تاريخيّة سالفة و على إمتدادات عصور قديمة, بحيث تناقلت مرويات الذّكرة الشّعبيّة و الحكايات المتناقلة و الموروثة كراماته عبر الكبار المعمّرين و المسنّين و الأجيال... و لكثرة ما حدث في حضرة ضريحه الرّمزيّ الإفتراضيّ من كرامات لافتة تُبجّله و تُعزّه, فتعلّق أهالي المنطقة و الجوار به و إزدادوا إيمانًا أكثر بتكليفه السّماويّ كنبيّ هادٍ أرسل لأهل بعلبك في زمن ملك بني إسرائيل آحاب غير المؤمن و زوجته عابدة البعل و الأصنام, فغدا أيلا النّبي (ع) شفيعهم الرّوحيّ و فعل وسيلتهم في عمليّة ممارسة الطّقوس الإيمانيّة و التّقرّب إلى الله...

عبر تعاقب الأيّام و السّنين بنى الأهالي بيوتهم حول المقام و هوت أفئدتهم إليه و تشاغفت عقولهم له, إلى أن اصبحت البيوت و المساكن الحجريّة و التّرابيّة قرية كبيرة تمّ تسميتها فيما بعد بإسم ساكنها الأصلي نبيّ الله أيلا (ع) و تطوّرت البيوت في بلدة النّبي أيلا (ع) مع التّطوّر الحضاري المعماري بحيث كثرت في البلدة القصور و الأبنية العصريّة الطّراز... و قد بُني فوق ضريح النّبي أيلا (ع) الشّريف مقام هو غاية في الجمال الدّاخلي و الخارجي و الهندسة التّصميميّة المعماريّة و الإنشائيّة للصّرح و المئذنة و الرّواق و المدخل و الملحقات، و قد تفنّن مهندسوه و العاملون عليه في عمليّة إتّقانه كي يليق بمكانة صاحبه الذي يتوافد إليه الزّوّار على مختلف عقائدهم و مللهم و من كافّة القرى البقاعيّة و اللبنانيّة فضلا عن الإسلاميّة للزّيارة و التّبرّك و إيفاء النّذور و إقامة الطّقوس و الشّعائر و الصّلوات و الأدعية و التّهجّدات الليليّة إضافة لإحياء المناسبات و إلقاء المحاضرات... و قلّما يمرّ يوم دون أن تجد زوّارا يقدّمون الأضاحي و الذّبائح تقرّبا إلى الله و إيفاء لنذور توسّط في قضائها النّبي أيلا (ع)...

فقد كان شكل المقام قبل العهد العثماني صورة مصغّرة و طبق الأصل عن كنيسة (آيا صوفيا) في إسطنبول إلى أن أصيب بتصدّع كبير في بنائه فقرّر العثمانيّون على أثره هدمه بدل ترميمه لأنّه لم يكن هناك مؤسّسة ترعى الأوقاف...
في السّنوات الأخيرة من القرن الماضي و ضع المهندس بهيج منصور مع أخيه سمير مخطّطاً لإعادة تصميمه و نفّذاه حتّى أصبح كما هو عليه الآن...
تقام في مقام النّبي أيلا (ع) صلاة الجماعة بشكل يوميّ دون إنقطاع, و الدّخول إلى رحاب هذا المقام يُشعر المرء برهبة و خشوع من هيبة صاحب المقام في النّفوس...  و هذا النّبي يُعتبر لدى أهالي المنطقة من مسلمين و مسيحيّين قاضيًا عدلاً يفصل في نزاعاتهم و يوصل الحقّ إلى صاحبه و القسم و الحلف و الإيمان في حضرته خطر على المفتري و الكاذب لأنّه سريع العقاب و المحاسبة... لذلك عندما يُطلب التّقاضي عند مقامه, يعترف المقترف بحقوق النّاس... و الحكايات و المرويات والقضايا كثيرة يرويها النّاس في المنطقة بالأسماء و الوقائع...

و هذه سيرة النّبي أيلا كما وردت في الكتاب المقدّس...

عاش النّبي أيلا في النّصف الأوّل من القرن التّاسع قبل ميلاد السّيّد المسيح, تميّز بغيرته على الله ذلك أّنه عندما كان أحاب ملكا على إسرائيل صنع الشّرّ و تزوّج من إيزابل بنت أتبعل ملك الصّيدونيّين و رئيس كهنة البعل. فأمالت قلب أحاب الملك و قلب الشّعب عن عبادة الله فعبدوا البعل و هدموا مذبح الرّبّ و بنى معبدا للبعل في داره. و هنا ظهر النّبي أيلا أو إيليّا ليوبّخ الملك و يطلب منه عبادة الرّبّ إله الجنود, حتّى أنّه تحدّى البعل, و هو إله الخصب و المطر فمنع المطر عن الأرض ثلاث سنين و ستّة أشهر. بعدها ذهب بأمر من الله إلى نهر كريت حيث قال له الله أنّ الغراب سيعوّلك و ستشرب من ماء النّهر. مع العلم أنّ الغراب مصدر شؤم و هو الطّائر الوحيد الذي لا يطعم صغاره حتّى و رغم ذلك كان يحضّر للنّبي إيليّا الخبز صباحا و مساء. و عندما يبس النّهر أمره الله أن يذهب إلى مدينة تدعى صرفة صيدا و تدعى حاليًا (صرفند) حيث هيّأ له الرّبّ الله إمرأه لتعيله. و في مدخل المدينة وجد بالفعل أرملة تجمع عيدان الحطب فطلب منها أن يشرب و عندما ذهبت لتحضر له الماء سألها أن تحضر له كعكة ليأكل فأجابته قائله: ليس عندي غير القليل من الطّحين في الجرّة و قارورة بها قليل من الزّيت سوف أصنع كعكة لي و لأبني و بعدها نموت جوعا. فقال لها النّبي إيليّا: إدخلي و إصنعي كعكة صغيرة لي ثمّ إصنعي الطّعام لك و لأهل بيتك لأنّ الله قال أنّ جرّة الدّقيق لا تفرغ و قارورة الزّيت لا تنقص إلى يوم يرسل الرّبّ مطرًا على و جه الأرض. فصنعت كما قال لها. و كان للأرملة صبيّ فمرض مرضًا عضالا و مات فدخلت على النّبيّ لتقول له: مالي و لك يا رجل الله أجئت تذكّرني بذنوبي و تقتل إبني؟ فأخذ النّبي أيلا ابنها منها و ذهب به الى عليته و دعا الرب ثلاث مرات قائلا : ايها الرب الهي لتعد روح الولد إلى جوفه. فسمع الرّبّ لصلاة النّبي أيلا و هو إلياس فأخذ الولد و سلّمه إلى أمّه قائلا: أنظري إلى إبنك إنّه حيّ. فقالت المرأه: الآن علمت أنّك رجل الله و أنّ كلام الرّبّ في فمك حقّ. و تحنّن الله على شعبه فطلب من إيليّا أن يعود إلى أحاب و عندما تقابلا قال له أحاب: أأنت إيليّا معكّر صفو البلاد؟ فأجابه إيليّا: لم أعكّر أنا صفو البلاد بل أنت و أهل بيتك بترككم وصايا الرّبّ و السّير وراء البعل. ثمّ صعد النّبي إلياس الى جبل الكرمل و صلّى إلى الرّبّ سبع مرّات فطلعت سحابة صغيرة قدر كفّ راحة رجل من البحر و ملأت السّماء و هطل مطر عظيم. و كانت يد الرّبّ مع إيليّا. و لكي يثبّت النّبي إلياس للشّعب و الملك أنّ الله وحده هو الأله الحقيقي, جمع كهنة البعل ال 450 و كهنة عشتاروت ال 400 و بحضور جمهور غفير من الشّعب راهنهم: هم يقرّبون محرقة لألهتهم و هو يقرّب مثلها لألهه. و الأله الذي ينزل نار من السّماء على المحرقة يكون الأله الحقيقي خالق هذا الكون...

بقي كهنة البعل يدعون بإسم إالههم من الصّبح حتّى الظّهر لكن لا مجيب. أخذ النّبي إلياس يسخر منهم و من إلههم و يقول: أصرخوا بصوت أعلى لعلّه في شغل أو في خلوة أو في سفر أو نائم. ثمّ جاء دوره فقام و رمّم مذبح الرّبّ و وضع عليه إثنا عشر حجرا نسبة إلى أسباط إسرائيل الإثني عشر. و رتّب الحطب و وضع المحرقة و طلب من الشّعب إحضار أربع جرّات من الماء و صبّها على المحرقه و رفع يديه إلى السّماء و صلّى بحرارة قائلا: أيّها الرّبّ ليعلم هذا الشّعب أنّك أنت الأله الحقيقي وحدك و أنّي أنا عبدك و بأسمك فعلت هذه الأمور...

فهبطت نار الرّبّ و أكلت المحرقة و الحطب و الحجارة. فلمّا رأى الشّعب هذه المعجزة سقطوا على وجوههم معترفين بأنّ الرّبّ هو الله. عندئذ قال النّبي إلياس للشّعب: إقبضوا على أنبياء بعل و لا يفلت أحد منهم. و مع ذلك ظلّ كهنة البعل على موقفهم الخاطىء. علمت إيزابل بما فعله النّبي إلياس بكهنتها فأقسمت بألهتها قائلة: في مثل هذه السّاعة سأجعل نفس إيليّا كنفس واحد منهم. فقام إيليّا و توجّه جنوبا إلى بئر سبع الواقعة في صحراء النّقب. و هناك ظهر الملاك ليلا و قال له: قم فكل لأن الطّريق بعيدة أمامك. فقام و أكل و سار إلى أن وصل إلى جبل حوريب حيث كان الله عزّ و جلّ قد كلّم موسى و أعطاه الوصايا العشر. و جرت قصّته مع النّبي موسى (ع) و التي وردت في القرآن في سورة الكهف و كان يدعى العبد الصّالح علّمه الله علم الباطن أيّ التّأويل. و بعدها رأى النّبي إلياس الله بقدر ما يستطيع الأنسان أن يراه و قال له: إمضِ و أرجع في طريقك إلى بريّة دمشق. حيث يقول التّقليد المتوارث أنّه لجأ إلى مغارة طبيعيّة و قد رافقه في مسيرته صديقه أليشع بن يوشافاط حيث سكنوا في هذا المكان فترة مجهولة المدة. إلى أن علمت إيزابيل بمكانه فأرسلت جيوشها لمطاردته...

و من هناك هرب النّبي إلياس بطريقة عجائبيّة عبر جبّ رأسي إرتفاعه 15 متر و للأسفل 35 متر. و نشبت حرب بين أحاب و الأراميّين و أصيب أحاب بسهم و هو في مركبته فسال دمه في المركبه فلحست الكلاب دمه كما تنبّأ له النّبي إيليّا. و كانت إيزابيل على شرفه قصرها فصعد إليها الجنود و طرحوها أرضا و داستها الخيل و أكلت الكلاب لحمها و هذا أيضا ما تنبّأ لها به النّبي إيليّا. و ذات يوم إصطحب النّبي إلياس خادمه الأمين أليشع و توجّه إلى نهر الأردن و أخذ رداءه و ضرب الماء فإنفلقت إلى هنا و هناك و سارا على اليابسة. و فيما كانا سائرين و هما يتحدّثان إذ مركبة ناريّة تجرّها خيول ناريّة قد فصلت بينهما و إرتفع إيليّا نحو السّماء و أليشع ينظر أليه. ثمّ لم يعد يراه فرفع أليشع رداء النّبي إلياس الذي سقط منه فحلّت عليه روح الرّبّ و أصبح خليفة النّبي إلياس في النّبؤة...

عيد  النّبي إلياس أو إليّا أو أيلا في 20 تمّوز: صلاة للقدّيس مار إلياس: السّلام عليك يا مار إلياس الحيّ. يا نبيّ الله و صاحب الأيمان القويّ و الغيرة الألهيّة و السّيرة الملائكيّة. قد دحضت الزّور و وبّخت صانعي الشّرور و قرنت القوّة المتّقدة بالحبّ المضطّرم. ففتكت بكهنة البعل. و أهطلت الأمطار بعد إنحباسها بصلاتك فنسألك متضرّعين. أن تجعلنا مستظلّين و بسنائك مستنيرين و إذ نلتمس منك المعونة و الشّفاعة. نلتجيء إليك قائلين: نجّنا من الشّدائد و المصائب و الشّرور و من أفخاخ الأعداء المنظورين و غير المنظورين. ردّ عنّا الضّربات و أبعد الأمراض و الأوبئة و القحط و الغلاء و إدفع عنّا وثبات الخيالات الرّديئة و الأفراح الشّريرة. و كن لنا حافظا منجيّا و مساعد في كلّ ساعة من حياتنا و كما قبلت تنهدّات الأرملة و رددت لها إبنها الوحيد من بعد الموت و أحييته. إقبل تضرّعاتنا نحن الملتجئين إليك الآن. و سدّد خطواتنا في سبيل البرّ. لكي نحيا حياة نقيّة مرضيّة لدى الله. و نستحقّ أن نمجّد الله معك و مع سائر القدّيسين في السّماء العليا إلى الأبد...

توفّي الملك آخاب و خلفه إبنه الأكبر أخزيا. و في نهاية السّنة الثّانية من حكمه أصيب بمرض أقعده، فأرسل رسلاً إلى معبد بعل في مدينة عقرون الفلسطينيّة لتستخير نبوءته بخصوص مرضه. فقال الرّبّ لإيليا: قم إصعد إلى رسل ملك السّامرة الذّاهبين إلى عقرون و قل لهم: ألا يوجد في إسرائيل إله لتذهبوا إليه حتّى ذهبتم تسألون بعل عقرون؟ إنّ السّرير الذي صعد عليه أخزيا لا ينزل عنه لأنّه موتاً يموت. و عندما عاد الرّسل بعد أن لقاهم إيليّا و تحدّث معهم و هم لا يعرفوه، سألهم الملك: ما هيئة الرّجل الذي كلّمكم بهذا الكلام؟ فقالوا: إنّه رجل أشعر مُتَمنطق بمنطقة من جلد على حقويه. فقال: هو إيليّا النّبيّ. فأرسل إليه رئيس خمسين مع جنود ليأتي به إليه، و إذا هو جالس على رأس جبل. فقال له: يا رجل الله الملك يقول: انزل. فأجابه إيليا: إذا كنتُ أنا رجل الله فلتنزل نار من السّماء و تأكلك أنت و الذين معك. فنزلت نار من السّماء و أكلته هو و الذين معه. ثمّ عاد الملك فأرسل رئيس خمسين آخر، فحصل لهم الّشيء نفسه. و عندما أرسل إليه الملك رئيس خمسين ثالثاً، صعد إليه و جثا على ركبتيه و تضرّع إليه ألاّ يفعل به كما فعل مع الآخرين. فقال الرّبّ لإيليّا: أنزل معه و لا تخف. فقام و نزل معه و دخل على أخزيا و قال له: من أجل أنّك أرسلت رسلاً لتسأل بعل زبوب إله عقرون، فالسّرير الذي صعدت عليه لا تنزل منه بل موتاً تموت. فمات أخزيا حسب كلام الرّبّ و ملك يهورام أخوه عوضاً عنه كم جاء في سفر الملوك الثاني : 1.

في نهاية حياته التّبشيريّة، قال إيليّا لتلميذه أليشع الذي كان يرافقه: أمكث هنا لأنّ الرّبّ أرسلني إلى نهر الأردن. فقال أليشع: حيّ هو الرّبّ و حيّة هي نفسك، إنّي لا أتركك أبداً. فانطلقا معاً، و عندما وصلا ضفّة النّهر أخذ إيليّا رداءه و لفّه و ضرب به الماء فإنفلق إلى هنا وهناك و عبرا على اليبس. و لمّا عبرا قال إيليّا لأليشع: ماذا أفعل لك قبل أو أؤخذ منك؟ فقال أليشع: ليكن نصيب إثنين من روحك عليّ. فقال: إن رأيتني أؤخذ منك يكون لك كذلك. و فيما هما يسيران و يتكلمان إذا مركبة من نار و خيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السّماء. و كان أليشع يرى و هو يصرخ: يا أبي، يا أبي، و لم يره بعد ذلك. كما جاء في سفر (الملوك الثاني: 2).

إلى هذا فقد حافظت ذاكرة التّقوى الشّعبيّة على شفيعها الزّراعيّ القديم، و الشّخصيّة الماورائيّة الأقرب إلى همومها المعاشيّة. و مع التّحوّل الديموغرافي في بلاد الشّام, حملت الشّرائح الفلاّحيّة معها شفيعها الزّراعيّ وألبسته لبوساً إسلامياً تحت إسم الخَضِر (ع)، على وزن نَضِر، و يعني الأخضر و سيّد الخضرة الزّراعيّة. و قد جرت المطابقة بين هذه الشّخصيّة و شخصيّة العبد الصّالح الذي رافق موسى في رحلته إلى مجمع البحرين، و فاقه علماً و معرفة كما ورد في سورة الكهف: 60-82 رغم أنّ القرآن الكريم لم يذكر إسم ذلك العبد الصّالح.

و لكيّ يمنح الخيال الشّعبيّ لهذا الوليّ الإسلاميّ نعمة الخلود التي تمتّع بها النّبي إلياس، فقد دبّج المؤلّفون الإسلاميّون قصّة مفادها أنّ الخضر قد رافق الملك الجبّار “ذو القرنين” في رحلته للبحث عن نبع الحياة الذي يهب الخلود لمن يشرب منه. و قد جعل ذو القرنين الخضر (ع) على رأس جنوده، و سار حتّى وصل مغرب الشّمس فسأل عن النّبع فقيل له إنّه وراء أرض الظّلمة، فإختار من عسكرة ستّة آلاف و دخل أرض الظّلمة. و بعد مسيرة يوم و ليلة أصاب الخضر (ع) نبع الحياة فشرب منه، و أخطأه ذو القرنين.

و من خلال مجريات الأحداث و الإستقراء لها و تحليلها تظهر في القصص الشّعبيّ الإسلاميّ، الخصائص الإخصابيّة للخضر (ع). فهو الذي يكلّل الأشجار بالخضرة، و ينشر عباءته الخضراء بساط عشب على السّهول و التّلال، و خلال ظهوراته يُشاهد جالساً على طنفسة خضراء. و الفلاّحون في بلادنا كانوا حتّى وقت قريب يستنزلون المطر بالدّعاء إلى الخضر (ع) ويدعونه بالإسم التّبادليّ مار إلياس، عندما ينشدون: “يا سيدي خضر الأخضر إسقي زرعنا الأخضر، يا سيدي مار إلياس إسقي الزّرع اليباس.” و كان يهود فلسطين قبل الإحتلال الصّهيونيّ يدعون إيليّا بإسم الخضر. و في تركيّا العثمانيّة كان الإسم الشّائع للخضر هو خظرلياس، الذي يجمع بين إسم الخضر (ع) و إسم إلياس.

خلال عصر الحروب الصّليبية و الّتبادل الثّقافيّ الذي حصل بين الثّقافة العربيّة و الثّقافة الأوربيّة، ظهرت إلى الوجود شخصيّة بعليّة جديدة تجمع الخضر و مار إلياس إلى نموذج فرنسيّ هو القدّيس جاورجيوس، أو مار جرجس كما يدعى في بلاد الشام. و قد نُسجت لهذا القدّيس سيرة حياة تقول بأنّه كان بطلاً من أبطال الإيمان المسيحيّ، عاش في مدينة اللدّ بفلسطين خلال القرن الثّالث الميلاديّ، و أنّه أنقذ إبنة الملك التي إعتنقت المسيحيّة من تنّين هائل صرعه بحربته. و بهذه الطّريقة تمّ إبتعاث الأسطورة السّوريّة القديمة عن صراع بعل مع التّنّين لوتان و قتله، و تمّ الجمع أيضاً بين القدّيسين الزّراعيّين الثّلاثة، و راح المزارعون السّوريّون يقصدون المقامات المكرّسة لهذه الشّخصيات الثّلاثة على أنّها شخصيّة واحدة. و الإسم جاورجيوس في اليونانية يعني الفلاّح. و هو يدعى في الأقطار الأوربيّة بجورج الأخضر، و ذلك كناية عن علاقته بالزّراعة. و الفلاحون الأوربّيون يحتفلون بعيده في 23 نيسان بإعتباره إحتفالاً بقدوم الربّيع.

و بعد ظهور شخصيّة القدّيس المحارب مار جرجس، عادت شخصيّة الخضر (ع) لتكتسب منه خصائصه القتاليّة مثلما إكتسب منها ومن إلياس الخصائص الزّراعيّة. و الفولكور الّشعبيّ طافح بروايات عن قوّة الخضر (ع) الخارقة. فالمزارعون في بعض أنحاء سورية يدعونه بأبي حربة، و المرويات عن قوّة ذراعه تزخر بالإشارة إلى صخور ضخمة رماها من مسافات شائعة. إحدى هذه الصّخور و هي أسطوانيّة الشّكل منزرعة على الّشاطئ قرب مدينة طرطوس، تقوم النّسوة العاقرات بزيارتها و التّضرّع إلى الوليّ من أجل الإنجاب. و في بيت جالا قرب القدس، هنالك صخرة عليها ما يشبه أثر القدم يقال أنّ الخضر (ع) قفز من فوقها، و يزورها النّاس هناك لطلب الشفاء...